١٥‏/١٢‏/٢٠١٠

مصر .. التغيير وليس الاصلاح

مصر .. التغيير وليس الاصلاح

تكرر تعبير الانفجار، والفوضي كمخاطر للمجهول إن لم يتحقق الاصلاح السياسي، وتوقف مضمون الاصلاح السياسي عند "انتخابات المجالس التشريعيه" و "إنتخابات رئيس الجمهوريه"، ولتنحسر المطالب في مواجهة تصرفات السلطه في مطلبي "إلغاء التزوير"، "ولا للتوريث".

إستمر التداعي، من مواجهة مع السلطه ومحاولة إعادة حركتها لمسار يحقق احتياجات المواطنين، الي الاشتباك حول تعديل مواد للدستور بدون قوة تحمي المطالب وتفرضها، الامر الذي حقق نتائج عكسيه زادت من تكريس سيطرة السلطة، وتوفير غطاء بنصوص دستوريه علي ما إقترفت من إجراءات وسياسات ومعاهدات أدت الي تبديد الثروه الوطنيه، وحصار دور مصر الخارجي وتقزيمه.

وتم تزاوج بين الاقطاع الجديد والسلطه، وجري إقصاء الشعب عن السلطه فعليا، وإنقسم المجتمع الي طبقة تملك وتحكم وتشرع وتتجاوز القانون حسبما تشاء، وباقي المجتمع الذي أطلق عليه "محدودي الدخل".

وأمتلأت شوارع مصر بالسابله من حاملي المؤهلات العليا وبلا عمل وبأصحاب المعاشات ممن وفرهم برنامج الخصخصه، وتحولوا الي طاقة سلبيه بعد أن كانوا يمثلون طاقة العمل والانتاج، وصار إلتزام السلطه تجاه الشعب أن له حق الفقراء والمعدمين علي من يملكون، وهو الإحسان، فالحكومه تمارس الاحسان بالدعم، والاثرياء يمارسون الاحسان بموائد الرحمن، وكراتين الطعام، وعلي محدودي الدخل أن يتلقوا منهم الاحسان. وبلغ الامر برئيس الوزراء أن يقول "إن الشعب المصري لم ينضج بعد ليمارس الديمقراطيه".

"همه دول منين؟ همه دول مصريين؟" هذا السؤال صار علي لسان المصريين كلما واجهوا مشكله، أو قفزت الاسعار قفزة مجنونه، وهو السؤال "المشكله"، والذي يمكن أن نعيد صياغته بحثا عن فارق المصالح، هل المصالح لدي التحالف الحاكم والشعب واحده أم أن هناك تناقضا في هذه المصالح؟ وما مداه؟، وهو التناقض الذي أدي الي انقسام المصريين الي كتلتين وليس طبقتين، إحداهما تعي التناقض وتمضي غير عابئه، وتمثل تحالف الثروه والسلطه، والأخري لم تستوعب حقيقة الانقسام بعد وتلقي بأسألتها مستهجنة ومستغربة ومستوحشة.

الاجابه تحدد هل ما نحتاجه "إصلاح سياسي"، أم ما نحتاجه "تغيير في بنية الدوله والسلطه الحاكمه"؟

يمكن إجمال التصورات المطروحه داخل المجتمع في تصورين، مشروع "مجلس أمناء الدستور" ومطالب "الجمعبه الوطنيه للتغيير".

يمثل مشروع "مجلس أمناء الدستور" رؤية التغيير وحدد أهدافها في:

1ــ "أننا في حاجة الي بناء دوله وليس مجرد حكومة او سلطة".

2ــ "ونحن في حاجة إلي دستور يكون عقدا إجتماعيا قادرا علي أن يصون كل ما هو أصيل في هذا اليلد ، ويفتح الطريق إلي كل ما هو مطلوب لمستقبله".

وهي رؤيه تدرك مدي الخلل الذي أصاب العلاقات داخل المجتمع، وحقيقة التناقض الواقع، والاحتياج لبناء الدوله بمفهوم "مؤسسة الهدف" وليست "مؤسسة السلطه"، وهذه الرؤية عرضت في سياق يلتزم الوطن ومؤسساته ولا ينقلب عليها، بل ويعتبرها شريكا في عملية التغيير، ثم وهو يحدد العقد الاجتماعي، يشترط إستدعاء ذاكرة الأمه وليس الانقلاب عليها أيضا وتفريغها.وإعادة ترتيب العلاقات بين القوي الاجتماعيه في المجتمع، وإسترداد قيمة العدل الاجتماعي.

تشكلت "الجمعية الوطنيه للتغيير" عقب عودة د.محمد البرادعي الي مصر في 19 فبراير 2010، وأعلنت سبع مطالب كضمان لعملية الترشيح والانتخاب، وأحالت القضايا الاجتماعية والسياسيه للقادم دون تحديد صورته ودون تحديد رؤيته، وربما طبيعة تكوين الجمعيه فرضت التعامل مع الحد المشترك الممكن بين مكوناتها، ولانها أساسا انطلقت من فكرة لا للتوريث كان عليها تقديم بديل رئاسي، مما فرض تحقيق تلك الاهداف التكتيكيه حول الانتخابات ومواجهة التزوير، والغاء قانون الطوارئ.

في تصريح للمستشار عادل عبد الحميد رئيس مجلس القضاء الاعلي السابق "أنه لو كانت هناك نية للتزوير فسيحدث حتى لو كان هناك قاض على كل صندوق"، رجل بلغ الصدق لانه قاض، والكلمة أمانه، والتصريح صادم لكل من يطالب بالضمانات لممارسة الانتخابات، ولا يوجد في الاحزاب والقوي السياسيه وجمعية التغيير من يملك مبررا واحدا كي تمتنع السلطه عن التزوير، وحال السلطه عندما تطالبها بضمانات عدم التزوير ينطبق عليه المثل الشعبي "قالوا للحرامي إحلف ... قال جالك الفرج".

السؤال الدائم والجاد: ماذا تملكون من قوه ؟؟، فتاريخ الأمم لا تصنعه الأمنيات الحالمه، ولكن يصيغه تراكم تضحيات الشعوب ونضالها. وليس معني ما يجري الآن أنه صفري النتائج فحسب، بل خطورته إن استمر الاستغراق في الامنيات الحالمه الغير مبرره علميا وموضوعيا أن تصاب الجماهير بعقدة "ألا جدوي" من أي شئ.

رؤي وأهداف متداوله بين نخب المجتمع، تحولت الي مطالب من النظام. والداعين لهذه الرؤي والاهداف لم يحددوا آلية ليجمعوا من حولها قوي شعبيه لديها قناعة بالاهداف وأنها تمثل حلا لمشكلاتها، ويقبلون التضحيه من أجل تحقيقها. وتحديد دور الجماهير هو عامل حاسم في أي محاولة للتغيير، وبديلا عن منهج علمي، أخذوا بفكرة التفويض، دون أن يعني التفويض وجود قوة ماديه خلف التوقيعات.

لم يتم تحويل الرؤي والاهداف، الاستراتيجيات، الي مهام عملياتيه، ولم يحدد تتابع العمليات ومن أين لها بعناصر التنفيذ، ولم تطرح قيادة تملك وضوح الرؤيه والخطاب والقدره علي تقدير الموقف واتخاذ القرارات.

وتهوي القضايا السياسيه ليصبح الشارع المصري أقرب إلي السيرك، أطراف متقابله، وكل يلصق صورا علي الحوائط ، وحديث عن ملايين تدفع لحملات التوريث، وعناصر تلصق ملصقات ضد التوريث يكون نصيبها الاعتقال، والشعب يئن في صمت وهو يشاهد هذا السيرك، دون أن تخطو قدماه مليمترا واحدا.

والاحزاب أقرب الي الاتفاق مع الحزب الوطني علي عدد من مقاعد المجلس، والحزب الوطني لا يقع تحت ضغوط من الاحزاب ليعقد الاتفاقات، ولكنه يسعي لتشكيل معارضة يوافق هو علي وجودها، بدون الاخوان أو بعدد محدود منهم ، فهو يملك القدره علي التزوير وهي بوابة تحقيق أهدافه، وتبدوا مشكلة الحزب الوطني ليست مع الاحزاب الاخري ولكن مع أعضائه الراغبين في الترشح.

من مجمل هذه الشظايا السياسيه، بات واضحا أن الخشيه من المجهول لا سبيل لتفاديها، فكل المشاهد تؤكد أن التحالف الحاكم يسيطر علي الموقف ويملك المبادأه ويستطيع التزوير ولا يردعه رادع، والمعارضه بما فيها الاخوان في حالة تشتت، ولا يسمح الزمن الباقي والتردد الذي يحكم الخيارات من حشد قوي وراء هدف التغيير.

وبمقاربة أخري نسأل: ماذا يحمل المجهول؟ وماهي الفوضي التي نخشاها؟ وما هو الانفجار الذي نسعي للحيلوله دونه؟

أعتقد أن المجهول الذي يخشون منه ، هو الممكن الكامن في الشعب، وكل من يخشي أمرا، فليضع لنا صورة أسوأ مما يحيا المجتمع الآن.

وبدون قراءة في كرة بلوريه للتنبأ بالغيب، لكن هكذا "حيّرت مصر علماء الاجتماع، فهي لا تتحرك عندما يتوقع الجميع منها الثوره، وتثور عندما لا يتوقع أحد منها الحركه" كما قال الدكتور محمد أنيس رحمه الله.

في عام 1977 رفض المصريون القرارات الاقتصاديه لحكومة السادات، وخرجوا من أسوان إلي الي الاسكندريه في مظاهرات 18 و 19 يناير، واشتعلت الشوارع بنيران الغضب، وهرب السادات من أسوان إلي كمب ديفيد. عجز عن الإيفاء بمطالب الامه بعد التحرير، فلجأ الي العدو، وليس هناك إرتباط بين كمب ديفيد والتحرير، فالتحرير ليس مغادرة المحتل للارض الوطنيه والوقوف خلف ابوابها للعوده وقتما شاء، ولكن التحرير هو تحرير الإراده، وامتلاك مشروع الوطن المستقبلي، وهو ما خسرناه في كمب ديفيد.

ولم ينتهي الرفض الشعبي ووقع حادث الاغتيال عام 1981، ونزلت السلطه الي الخنادق لتقاتل دفاعا عن كرسي الحكم، ورأت في الشعب طرفا غير مأمون.

وكما ذهب السادات الي كمب ديفيد، ذهب من تبعوه الي البنك الدولي وسلموا أنفسهم، و كما سلموا بأن 99% من أوراق اللعبه بيد أمريكا، فقد سلموا بأن البنك الدولي هو الحل.

فلم تعد سلطة تمثل مصالح شعبيه، ولا هي قادره علي مواجهة متطلبات المجتمع، ولا تدافع عن مشروع المستقبل الذي لا تملكه بالأصل، ولكنها سلطة هاربة من الغضب الشعبي منذ 1977 ولم تعد إلي الآن.

وسط موجة مناخ حار ليس في الذاكرة مثيل لها، أدت لكشف عوار جديد، القمح: هل تستورده مصر أم تزرعه؟، ولتكشف حالة الإظلام التي تلف مصر جريمة التفريط في ثروة الغاز الذي جري بيعه لاسرائيل، تقف مصر باحثة عن طريق، وليس أمام شعبها سوي أن يسترد مقاليد الأمور بيده، وهل سيتردد في شوارعها "عاش كفاح الطلبه مع العمال"، من جديد؟ هذا حديث آخر.

مصطفي الغزاوي

elghazawy@gmail.com

نشرت بالشرق القطريه 31 أغسطس 2010

مصر بعد مائتي عام من مذبحة القلعه

مصر بعد مائتي عام من مذبحة القلعه

تموج مصر في هذه المرحله بتحركات تستهدف ما أطلق عليه الاصلاح السياسي والتغيير ، وما يحدث في مصر ستنعكس نتائجه علي المنطقه ، إيجابا أو سلبا ، ولم يعد ما يحدث يخص المصريين وحدهم ، بل هو قضيه تمس كل العرب.

يربط البعض حاله القلق في المجتمع المصري الآن بحالته بداية القرن التاسع عشر بعد خروج الحمله الفرنسيه من مصر وتطاحن المماليك في صراع علي السلطه. وفي ذلك الحين قام تجمع من العلماء والمشايخ والتجار بإختيار محمد علي واليا علي مصر لمواجهة الفوضي التي نشأت نتيجة صراع المماليك. لم يستقر محمد علي إلا بعد أن قضي علي التجمع الوطني الذي أتي به ونفي زعيمه السيد عمر مكرم خارج القاهره. ودعا أمراء وبكوات المماليك الي القلعه في اول مارس 1811 للاحتفال بإلباس ابنه الاصغر طوسون باشا خلعة القياده لحملة الجيش الي الجزيره العربيه ، وقضي عليهم جميعا فيما عرف بمذبحة القلعه.

ويتردد تعبير "تداول السلطه" ، فيبدو هدفا خارجا عن سياق ما وصل اليه المجتمع ، فتداول السلطه يمكن السعي اليه عندما تتوازن علاقات القوي ، ويحدد المجتمع قواعد واضحه للعلاقات بين قواه علي الاصعدة الاجتماعيه والاقتصاديه ، وتتيح هذه العلاقات تعبيرا سياسيا لكل من قوي المجتمع ، تدرك مكونها البشري وأحتياجاته وتملك قدرة صياغة هذه الاحتياجات في صورة أهداف محدده ، وتحفر لنفسها مكانا عبر تراكم السعي الايجابي تجاه اهدافها ، وتسطر لنفسها أسس قياس النمو الذاتي والتأثير المجتمعي ، عندئذ يصبح ما بين قوي المجتمع هو تنافس علي السلطه ، ويصير تداول السلطه هدفا داخل السياق.

التغيرات التي جرت في المجتمع المصري لم تكن نتيجة حراك طبيعي داخل المجتمع أدي الي تدهور او نمو ، ولم تكن نتيجة انقلاب بالقوه جري فيه الاستيلاء علي السلطه وإعادة توجيه حركة المجتمع. ولكن ما جري من تغيير سار بهدوء وبلا صراع ، وكانت القرارات والسياسات تتناقض واحكام نصوص الدستور ، وإنقضت علي مكاسب شعبيه تحققت وتراكمت من يوليو 1952 ، وتضمنها دستور 1971. إن مصارحة العقل علي هذا النحو إحتياج وطني ، وهو تحديد موضوعي يمنع أوهام أحلام اليقظه ويفرض محددات التغيير ، ويحدد خطوط الاتصال والانفصال بين دعوات الاصلاح السياسي ودعوة التغيير.

وكان من نتلئج هذه التغيرات أن تحول الاستقلال الوطني والتحرر القومي والصراع العربي الاسرائيلي ، من مفهوم الامن القومي الشامل الي الامن الذاتي للنظام الحاكم. وصارت حرية الانسان وحقه في الحياه محل التقييم الامني ، وصار تعامل السلطه مع الشعب تعامل أمني مطلق وليس هناك إدراك بأن الشعب هو مصدر السلطات ، وليست السلطه هي التي تنتج الشعب المتوافق معها. وكان نظام السادات قد أنشأ جماعات أرتدت مسوح الدين بواسطة محمد عثمان اسماعيل محافظ اسيوط وعثمان احمد عثمان نسيب السادات والمقاول الشهير ، وهي الجماعات التي تولد منها تباعا ما أطلق عليه أمن النظام "الارهاب" ، ولكن المجتمع دفع ضريبة ما صنعه النظام بأدواته 30 عاما من قانون الطوارئ.

لم يقدم النظام رؤية للتنميه الاقتصاديه ، ولم يملك الا الاستجابه لما اطلقوا عليه الخصخصه ، التي أهدرت أغلب مصادر الانتاج ، وأنشأت علي التوازي معها فئة جديده ترث الثروه دون جهد ، وتتملك الارض وفق منح غير مبرره ويطالها القانون ، وتسيطر علي السلطه ومصادر التشريع. ويقع الشعب صريع ما سمي باقتصاد السوق ، وليصبح الشعب ضحية الغلاء وتدهور التعليم وانهيار الخدمات وفرض الضرائب المتنوعه لتعويض العجز في الانتاج.

وحاصر النظام اي ممارسة سياسيه ، ونجح في تحويل الاحزاب الي مصادر للرجاء بالبقاء ، ولا يتم الترخيص لها الا بضمانة السيطرة عليها ، وفقدت الاحزاب قدرتها علي التواصل مع الشعب وانعزلت ، وصارت رهينة جدران مقارها. وحاصرت السلطه جماعة الاخوان بانها المحظوره ، وصارت اللعبه السياسيه في المجتمع هي لعبة القط والفأر بين السلطه والاخوان ، والاحزاب علي رصيف الانتظار ، تمني النفس برضا الامن من جهة ، وتمارس الحظر علي الاخوان من جهة أخري. واكمل النظام حلقات الحصار بحصار النقابات المهنيه ، خاصة وان النقابات العماليه هي في الاساس منظمات داخل السلطه.ونجح النظام في ايقاف تيار الاستقلال بنادي القضاه وأعاد السيطره علي نقابات الرأي.

وظهرت حركات من خارج الاحزاب وهي تمسك بمنهج أن يتم العمل بين الناس وحيث هم في الشارع، وظهرت حركة كفايه وأخواتها كما يطلقون عليها ، وتصاعدت تجمعات الرفض أو المطالب المهدره ، وشهدت مصر انتخابات 2005 ، وهي الانتخابات التي جمعت بين النقيضين ، الاشراف الكامل للقضاء ، والتزوير التام للمرحلتين الثانيه والثالثه من الانتخابات ، ووصل الامر الي الغاء اشراف القضاء إلا علي اللجان العامه ، وتوالي التزوير فيما تم من انتخابات حتي اليوم.

ووجد المجتمع نفسه يواجه سؤال المستقبل ، ما العمل ؟؟ ، المجتمع في كل اركانه وليس بين النخبة فيه ، يرفض ما هو قائم ، ليس كرها لشخص او ملل منه ،ولكن لأنه ليس هناك إمكانية للحياه أو أمل في تصحيح المسار من أجل مستقبل افضل في إطار ما هو قائم.

درس التاريخ يؤكد أن الحل ليس استبدال أشخاص ، فقد ينتهي الامر بالنفي او بمذبحة كمذبحة القلعه ، ومن هو الفرد الذي يعود الوطن ليرهن أمر المستقبل عليه؟

والظروف الموضوعيه لا يمكن أن تتيح تبادل للسلطه ، فكما اتضح هو هدف خارج السياق ، لا قوة تحميه وليست هناك قواعد متفق عليها تؤدي اليه.

ووسط رفض الفوضي والانفجار والخطر الكامن في المجهول ، طرح الاستاذ محمد حسنين هيكل تصورا "يحقق انتقالا منظما الي المستقبل" ، "يستطيع الرئيس "مبارك" نفسه أن يقدم به خدمة جليلة للأمه تذكرها له إلي الأبد " مؤداه :

1ــ "أننا في حاجة الي بناء دوله وليس مجرد حكومة او سلطة" ،

2ــ "ونحن في حاجة إلي دستور يكون عقدا إجتماعيا قادرا علي أن يصون كل ما هو أصيل في هذا اليلد ، ويفتح الطريق إلي كل ما هو مطلوب لمستقبله".

وأقترح "مجلس أمناء الدستور" لفترة إنتقاليه "3 سنوات" ، يكون هدفه فتح طريق مغلق ، ويتكون من رجال كل منهم له قيمته المعترف بها ، وله دوره المشهود ..... وحظي بدرجة من ثقة الناس عن بعد. وأن "يكون المجلس في حضور القوات المسلحه".

وبمجرد طرح التصور ، كان ما توقعه الاستاذ هيكل نفسه ، وتعرض الاقتراح وصاحبه الي هجوم ضار ، دون مناقشة موضوعيه للاقتراح ، او تصورا بديلا يجّنب الامه الفوضي والانفجار.

رفض اقتراح هيكل لانه ليس وراءه قوي اجتماعيه تفرضه ، ولأنه في الشكل انطلق من النظام القائم ، وكأن النظام يصحح ذاته لصالح أغلبية شعبيه لا تملك مقومات فرض هذا التصحيح، ولكن الاقتراح في المضمون رأته أطراف انقلابا علي النظام القائم ، هكذا أدركوه وعلي هذا الاساس تعاملوا معه. ولماذا يسلمون طواعية بمطالب تبدوا عاقله ولا يملك أحد قدرة انتزاعها من تحالف الثروه والسلطه؟.

وبقي امام المجتمع سيناريو الفوضي أوالانفجار ، وكلاهما ليس سيناريو الحرب الاهليه ، وليس حمامات من الدم ، فليست هناك قوي داخل المجتمع تملك مقومات ذلك ، ولكن ما يمكن ان يحدث ، هو إنفجار عكسي يزيد من إندفاع السيطره القائمه وتجرؤها علي ما هو محظور داخل المجتمع .

ويبقي سؤال أليس هناك حل لإنسداد الطريق الي التغيير ، والاجابه أن ذلك عكس قوانين الحركه في المجتمع ، ولكن التغيير مهمة علميه لها مقتضياتها ، وليست مجرد رغبة بلا قدره ، إن جوهر عملية التغيير هو تحرير الاراده الوطنيه ، وبالضرورة يجب القبول بما تفرضه حركة التغيير من تضحيات.

كان الخطأ منذ مائتي عام ، الركون الي إختيار "فرد" ، والحركه التي يموج بها المجتمع الآن تكرر ذات الخطأ ، بإعتبارها أن تغيير "فرد" هو الحل في مواجهة حالة التردي القائمه وكأن دروس التاريخ غائبه عن وعي القائمين بالحركه ، وبدت كحركة تستخدم الشعب وآلامه ولا تخرج منه وعاجزه عن استقطابه لمواجهة التردي ، ونهايتها النفي والمذبحه .

مصطفي الغزاوي

elghazawy@gmail.com

نشرت بالشرق القطريه 24 اغسطس 2010


الحرية : الاختيار بين الخنادق والزنازين

الحرية : الاختيار بين الخنادق والزنازين

رحلة المواطن العربي بين الخنادق والزنازين ، هي قصة كل مواطن وبلا استثناء.

فالخندق ليس بالضرورة في ساحة القتال ، بل خنادق الانسان العربي وصلت الي منزله ،وعمله ، وفي مواجهة كافة مسئولياته ، الخندق للانسان العربي صار سكونا عن الحياه يتجنب به العجز الذي أصاب القدره لديه. وانضمت ساحات الحياه الي ساحة القتال فما صار القتال شهامة وفرض عين ، ولا بقيت الحياة آمنه ، تتيح إعمار الارض كما فرض الله علي الانسان الحر.

وفتحت الزنازين ابوابها للانسان العربي ، فما إن يخرج المواطن من خندق لجأ اليه ليحتمي من محاولات القنص التي يتعرض لها ، إلا وتتلقاه أذرع قوانين الطوارئ لتسبغ عليه تهمة تعريض الأمن والسلم الوطنيين وأحيانا العالميين للخطر ، وتلقي به في زنزانة السجن.

عائد النصر لمن ؟؟؟ سؤال فرض نفسه في زمن الإعداد لحرب التحرير بعد 1967 ، وقت أن وضع الشعب كل شبابه وكل امكاناته تحت السلاح ووراءه بهدف استرداد الكرامه والارض ، وهو سؤال يعود ليفرض نفسه بعد قرابة الاربعين عاما من صمت المدافع علي جبهة قناة السويس ، وكأنه بكاء علي اللبن المسكوب. من اقتنص مصر بعد انتهاء عمليات 1973؟ ،سؤال يفرض نفسه ولكنه لا يملك زخم إلتفاف الشعب ووحدته في مواجهة اسرائيل. وبعد أن خرج المقاتلون من الخنادق في اعقاب 1973 وجدوا الزنازين علي مصراعيها في يناير 1977 ، وهم يطالبون بحقهم في الحياة الكريمه. وماكادت السنه تنقضي حتي ركب من فتح الزنازين للشعب طائرة للقدس ليخترق حاجز الازمة النفسيه مع اسرائيل.

صار الحديث عن الحرب متهما بأنه محاولة للتوريط ، وليس هناك من يقول لنا توريط من مع من؟ ، نحن نرفض الحديث عن الحرب وهي من حولنا ، يصل الي سماءنا دخان حرائقها ، وتصم أذاننا أصوات مدافعها ، ونيرانها تقضم الارض من حولنا ، تلتهمها ، وتتآكل الامكانات العربيه ، بل والمسلمات العربيه ، ما هو فكري وعقائدي وما هو مادي أرضا وماءا وثروة طاقة. وفي نفس الوقت تفرض اسرائيل مدي نفوذها طبقا لمدي طائراتها وصواريخها وقدرتها النيرانيه التي وصلت لامتلاك غواصات الدولفين وطائرات إف 35 ، وليس طبقا لمدي خطوات المشاه من جنودها كما قال بن جوريون ، ونحن ممنوعون من الحديث عن الحرب ، واعلن اصحاب القرار بعد 1973 أنها آخر الحروب ، ولم يسمعهم أحد. وأعلنوا وحدهم ، استراتيجية السلام ، تعبيرا يثير من الاستغراب أكثر مما يفرض من القناعه ، فهل هناك من يعلن استراتيجية نهايتها القتل والقتال ؟ وهل الحرب غير وسيلة وليست بغاية ؟ وهل الغاء إحتمال فتال العدو يفتح باب السلام ؟ وهل التفاوض رهن بالنوايا الحسنة أم أنه تعبير عن القوه في كل ميادين الحياه والقوة العسكريه واحدة منها ؟.

وعلي الجانب الآخر حسم ديفيد بن جوريون مبكرا أمر السلام والحل في قوله :"لا تتعبوا أنفسكم في البحث عن حل ... ليس هناك حل ... الأرض واحدة ، وطالب الأرض اثنان ، ولابد أن تكون لواحد منهما فقط ، ولابد أن يكون الشعب الإسرائيلي هو هذا الواحد الذي يحصل علي الأرض ويملكها ، والحل الوحيد بالنسبه له ــ إذا كان هناك حل ــ أن يسعي بكل الوسائل ــ بما فيها القوة والسياسه وحتي الخديعه ــ لكي يجعل الطرف الآخر يرضي بالتنازل عن مطلبه."

وهكذا وصلنا من جديد لزمن "اللا حرب واللا سلم" في أمر المواجهة مع المشروع الصهيوني الذي استحل القوة والسياسة والخديعه.

لم تعد المواجهة مع المشروع الصهيوني فوق ارض فلسطين او في محيطها ، ولكنها امتدت لتشمل كل افريقيا وأسيا وأمريكا اللاتينيه كما شملت روسيا ، وسلاح الاختراق الاسرائيلي هو الصناعات العسكريه ، والتكنولوجيا المتقدمه ، والطائرات بدون طيار وطائرات الاواكس ، كما شمل التدريب ، وخاصة للاجهزة الامنيه وحرس القصور الرئاسيه والقيادات العسكريه ، وتولت اسرائيل مهام العلاقات العامه تمهد لهم عالميا في التسويق والانتاج والمشروعات الضخمه وتمويلها وحشد الدعم من حولها كما الحال في أمر مشروعات منابع النيل ووصولا الي مجال كرة القدم. تخوض اسرائيل مواجهة وجود شامله حول العالم ، دخلت اليهم من حيث مصالحهم ، وانشغلنا نحن بالاقتتال الداخلي (العربي ــ العربي). والاهم فيما تملكه اسرائيل انها تملك القدره علي اتخاذ القرار ، وفق احتياجاتها الاستراتيجيه ، وهذه الرؤيه الاستراتيجيه تملكها ايضا ولا تدعيها وحيا وإلهاما من شخص هنا او هناك.

ويتردد حديث الحرب الآن ، ويحصرون الخيارات في ايران ولبنان ، ويغفلون السودان وكأن الحرب القادمه في السودان لم تنطلق رحاها بعد. وهكذا دائما يكتشف العرب متأخرين ان أزمنة صمت المدافع لا تعني بالضروره غياب الحرب ، ولكنها مراحل اعداد ميادين القتال ، وتنسيق الجهود ، ودرأ الآثار الجانبيه. فقبل السودان كانت العراق. ليكشف لنا بوب ودورد في كتابه "خطة الهجوم" عن مدي حميمية العلاقه بين بندر بن سلطان وبوش ، وكيف كان التلاقي الامريكي السعودي في مواجهة صدام حسين.

في 1994 كان الملك فهد قد اقترح علي الرئيس كلينتون عمليه امريكيه سعوديه مشتركه للإطاحه بصدام حسين ، وكان ولي العهد الامير عبد الله قد اقترح في ابريل 2002 علي بوش إنفاق ما يصل الي مليار دولار امريكي علي مثل هذه العمليات المشتركه مع السي آي إيه ، وفي لقاء تم بالمكتب البيضاوي في 15 نوفمبر 2002 يقول بندر لبوش"إنهم بدؤوا يشكون بمدي جدية أمريكا حول قضية تغيير النظام" ، ويرد بوش " قل للامير إنني أعده !". وفي لقاء ثان بتاريخ 11 يناير 2003 مع تشيني ورامسفيلد والجنرال ميرز يقول تشيني لبندر بعد أن عرضوا عليه خرائط العمليات وخطط الانتشار واحتياجاتهم من المملكه : " تأكد يا أمير بندر أن صدام سيصبح قطعة خبز محمصه لحظة ننطلق " ، ويحمل بندر طلبات التسهيلات لولي العهد الذي يطلب منه التحفظ علي ما عنده ويكلفه بدور الوسيط مع فرنسا ، ليعود بندر للقاء كوندليزا رايس في الاسبوع الاول من فبراير ويؤكد لها أنه والرئيس المصري ورفيق الحريري يؤكدون أن شيراك عازما علي السير في اتجاه الحرب.كما أبلغ الرئيس المصري بندر أن لدي المصريين عددا كبيرا من مصادر المعلومات الاستخباراتيه داخل العراق قائلا "إن استخباراتنا قد أكدت أن هناك مختبرات متحركه لصنع أسلحه بيولوجيه."!!

إستهدفوا صدام ومزقوا العراق ولم يترددوا ، وها هي اسرائيل تجني كل النتائج. وانتقل المواطن العراقي من خنادق الحرب والحصار لمدة 12 عاما الي زنازين أبوغريب.

واليوم يحدث أمر مشابه حول السودان ، فالظاهر أن حزبا سودانيا وحركة سودانيه قد وضعا ايديهما علي الوطن السودان ، ومصيره ، وصار "بافان أموم" أمين عام الحركه الشعبيه لتحرير السودان هو مصدر التأكيد بضمان حقوق الشماليين والمسلمين ؟! وعندما توقف الحركه طائرة هليكوبتر شماليه ، يخرج للرد علي الاتهامات الجنوبيه متحدث باسم المؤتمر الوطني السوداني ، وإنزوت الدوله ، ورئيسها مطلوب أمام محكمة جرائم الاباده ، كما جري مع صدام ، وتتلبس الحكمه عربا يخرجون علينا أنهم مع حق تقرير المصير بالانفصال للجنوب عن الشمال ، وكأنهم لا يدركون القادم من حركات انفصاليه ، او هم يدركونه ويسعون اليه.

الحرب القادمه يشتعل فتيلها في جنوب السودان ومازال فتيل القتال في دارفور مشتعلا ، وما الذي يمكن ان تكشفه الايام القادمه حول الادوار العربيه التي تدفع المليارات لقتل صدام وتغيير نظامه ، وهي تدير ظهرها الآن للسودان ؟ ما الذي يجري في الخفاء؟.

الحرب والسلام والتقسيم أحاديث يمكن أن تكون مؤجله عندما ينفجر الحديث عن التغيير الذي يملأ الفضاء المصري ، والذي دخلت عليه جريدة معاريف الاسرائيليه ــ كما ورد بجريدة الفجر المصريه 16/8 ــ أن هناك خطة حكوميه لتوصيل "أمير مصر" للسلطه ، وفي حديث للوريث المرشح مع صحيفة "بوليتيك انترناشيونال" يقرر أن السلام مثل الثروة التي يجب الحفاظ عليها ، ويعود ليحدد أن اهم الشخصيات التي أعجب بها في حياته " ونستون تشرشل ومارجريت تاتشر بسبب قدرتهما علي إحداث التغيير لمصلحة شعوبهم"!!.

وتنتقل مصر من دوامة الصراع من أجل ايقاف بيع الثروة القوميه من الارض وما فوقها وما بباطنها ،و صراع في مواجهة التوريث ، الي الحديث عن رغبة في التغيير ، حديث تأثر بما جري في الخنادق وما بعد صمت المدافع ، وأيا ما كانت نتيجة هذا التفاعل ، فبالقطع سوف يؤثر علي خيارات الحرب والسلام ونتائج التقسيم.

الانسان الحر يقبل بإرادته القتال عبر الخنادق دفاعا عن الحياة والارض ، وهو ذاته الانسان الذي لا تُرهب إرادته زنازين القهر من بعد التحرير ، وإن قدّر الزمن له أن يعود للقتال ، عاد ولكن وفق قوانين وقواعد جديده تضمن ألا يُسرق منه عائد النصر ثانية.

مصطفي الغزاوي

elghazawy@gmail.com

نشرت بالشرق القطريه في 17 اغسطس 2010

شجرة العديسـه ... حصريا لبنانيه !!!

شجرة العديسـه ... حصريا لبنانيه !!!

الخط الممتد من قرية العديسه جنوب لبنان الي جوبا جنوب السودان ، مارا بالقدس وغزه وسيناء والسودان باطرافه المعرضه للاقتطاع والتقسيم ، خط يعرض لوقائع تجري فوق الارض ، تسيل فيها دماء ، وتكثر فيها الكلمات ، وتتنوع المواقف وتتبدل ، ويدفع فيها الشعب العربي بامتداد هذا الخط ثمن ما يحدث ، وفي الوقت ذاته يبدو أن إضطرابا أصاب الفكر العربي في تحديد طبيعة الصراع الجاري واولويات المواجهه وحقيقة أطرافها واهدافهم وأساليب المواجهه ، مما أودي الي زيادة الفاقد في الجهد العربي يل ضياع القدره علي العمل العربي وفقدان الثقه في جدواه .

أطلقت الامه في مرحلة السعي الي الاستقلال ، شعار أن علي الاستعمار أن يحمل عصاه علي كتفه ويرحل او قليقاتل دفاعا عن وجوده ، وكان أن توالي رحيل الاحتلال الاجنبي عبر صور متعدده أختلفت من قطر الي آخر. وكما الجزائر ، أخبرني الفريق محمد فوزي أنه كانت هناك خطة أطلق عليها "صلاح الدين" لتحرير الخليج العربي. وفي زمن المد التحرري ، كانت هناك مقولة "أن القضيه الفلسطينيه هي القضيه المركزيه للنضال العربي" ، ولكن ذلك كله تحول الآن الي شريط الذكريات ، واهم ما تبقي منه أن بديل القضيه المركزيه صارت حقيقة أن مصدر الخطر علي الامة العربيه هي اسرائيل وامريكا ، وصار الفصل بين الاثنين ، نوعا من الهروب خشية مواجهة الحقيقة ، فلا نستطيع دفع ثمنها.

وتحديد مصدر الخطر علي هذا النحو يفرض مراجعة لمفهومين أطلقناهما او أطلقا علينا ، أولهما أن حل الصراع العربي الصهيوني هو في تحديد أنه فلسطيني اسرائيلي ، وأن الحل في دولة فلسطينيه الي جوار اسرائيل ، وكأن هذا الخيار سيحول اسرائيل من مصدر للخطر الي جارة ، ويتحول الصراع من دفاع عن النفس الي القبول بالعدو صديقا.

والخط من العديسه الي جوبا يؤكد أن مواجهة خطر اسرائيل ليس في نحقيق دولة فلسطينيه ، ولكن في تحقيق قدرة عربيه علي مواجهة اسرائيل ، وعندها تعود القضيه الفلسطينيه الي حجمها الطبيعي في الصراع ، أنها أحد أوجه الصراع ، حتي وإن كانت الارض الفلسطينيه هي درة الصراع ، إلا أن جوهر الصراع هو الوجود العربي ذاته.

والثاني هو اعتقاد أن حل التنميه والتقدم في مجتمعاتنا يبدأ من قضية ختان الإناث الي الديمقراطيه ، وأن الراعي لهذا كله هو السيد الامريكي بحاملات طائراته حتي جمعيات المجتمع المدني الامريكيه ، والبنك الدولي ، بل ومحكمة العدل الدوليه ، التي ترفضها امريكا ، وتستخدمها في مواجهة من تشاء عندما تريد. وأضيف الي هذا شركات المرتزقه الامريكيه والتي تنتشر في العالم بتمويل من الاداره الامريكيه ولاهداف للاداره الامريكيه وخارج أي التزام يفرضه القانون الدولي. وانجرفت معظم التيارات السياسيه العربيه والنخبه الي عراك واقتتال حول تداول السلطه بالوساطه الامريكيه ، وبالادوات الامريكيه ، والتي اضيف اليها ملايين من الدولارات ميزانية لتمويل الحركه نحو الديمقراطيه ، ونسيت هذه التيارات ان التغيير لابد له من قوي اجتماعيه في المجتمع ذاته تدرك أنه ليس مجرد تداول للسلطه ، ولكنه مشاركة بين قوي المجتمع في الثروه والسلطه ، وتقبل بدفع ثمن تحقيقه.

أمران تأكدا ، أن امريكا واسرائيل هما مصدر الخطر علي الامة العربيه ، وأن الدوله الفلسطينيه

المرجوه والديمقراطيه الامريكيه ليسا حلا للصراع من أجل البقاء والتقدم.

الثلاثاء الماضي 3 أغسطس شهد الجنوب اللبناني عند قرية عديسه ، تقدم عناصر من الجيش الاسرائيلي الي نقطة محل نزاع بين لبنان واسرائيل منذ ترسيم الخط الازرق عام 2000 ، واستقر الامر بشأنها أن اليونيفيل هي وسيط التعامل لاي من الاطراف عند مثل هذه النقطه ، الا ان الجيش الاسرائيلي تقدم لنزع شجرة من الارض محل النزاع ، وعندما رفض التعامل وفق ما سبق الاتفاق عليه ، وحاول نزع الشجره ، فتحت القوات اللبنانيه النار علي القوه الاسرائيليه ، وقتلت قائد كتيبة دبابات برتبة مقدم وفرد آخر ، وردت القوه الاسرائيليه بالمثل واستشهد أربع لبنانيين احدهم صحفي ، هذه واقعة (شجرة العديسه) ، والتي جرت وسط أجواء الاحتفال بمرور اربع أعوام علي حرب 2006 ، وكأنها واحدة من نتائجها. أن تصدر الاوامر للجيش اللبناني بالاشتباك مع العدو ، متغير أصاب الاسرائيليين بذهول ، ولكن ردهم كان محليا وهو الامر المستغرب من الجيش الاسرائيلي ، وهرولوا الي مجلس الامن ، وخرجت التصريحات الامريكيه لتدين العدوان اللبناني !!!!. وتكشف الصحف الاسرائيليه أن رئيس الاركان كان يدير العمليات بنفسه ، ويبدوا أن هناك غضبا مكتوما في اسرائيل لفداحة الاصابات القاتله ، والعجز عن الانتقام المفتوح بلا رادع ، وكأن الردع أيضا تحقق من نتائج حرب 2006 ولم تتجاوزها اسرائيل بعد.

مبادأة الجيش اللبناني ، ومحدودية الرد الاسرائيلي ، لم يكونا فقط النتائج الاوليه للاشتباك ، ولكن الواقعه جردت اسرائيل من تهديد استخدمه كل من نتنياهو وايهود باراك وزير الدفاع ورئيس اركانه ، بمسئولية الحكومه اللبنانيه عن أي عمل عسكري ، وكان القصد أي عمل عسكري من حزب الله ، فأخذت القوات اللبنانيه بزمام المبادأه ، ففقدت اسرائيل معامل ضغط جديد. وأضيف الي ذلك معاملان كشفت المواجهه عنهما ، الاول عدم جدوي اليونيفيل كما ارادته اسرائيل ، والثاني أن المقاومه جنوب الليطاني كما كانت وأكثر تعزيزا ، كما أن تداعي جيش الجواسيس في لبنان حرم اسرائيل من مصادر معلومات وهو إضافة الي قدرات لبنان في المواجهة ،وأن " اسرائيل هي العدو " أدي لتعطيل قرار الاتهام الصادر بحق حزب الله كأداة للفتنة الداخليه.

واقعة شجرة العديسه تعلن خروج لبنان عن النص العربي وتؤكد ان مواجهة اسرائيل كمصدر أساسي للخطر ليس بدولة فلسطينيه ، ولكن بقواعد جديده للاشتباك. ثلاثية الشعب والجيش والمقاومه. محاولة لتصحيح العلاقه ، ولكنها حني الآن حصريا لبنانيه.

وواكب واقعة شجرة العديسه ، وصول عدد من الصواريخ الي ايلات والعقبه ، مؤشر آخر عن محاولة تتم للمره الثانيه خلال أشهر معدوده ، في اتجاه جديد للمجابهة.

بعد ثلاثة أيام من واقعة العديسه وصلت اول طائرة لشركة مصر للطيران الي مطار جوبا في جنوب السودان لتعلن افتتاح خط جديد مباشر بين القاهره وجوبا. وتكاد تكون القاهره شأنها في ذلك شأن الباقي العربي ، تسلم بأن الجنوب ذاهب الي انفصال ، ولا أحد يدري من أين جاءت الحكومه السودانيه بأسباب ومبررات للتوقيع منذ ست سنوات علي اتفاقية تسلم فيها جنوب السودان أرضا وشعبا وثروة ، لتقوم عليه دولة انفصاليه ، يومها توقع اكثر المتشائمين أن فسحة الوقت كافية لتدارك مخاطر التقسيم.

وعلي النقيض من وقائع شجرة العديسه ، فرغم ان المواجهة في الجنوب السوداني أيضا مع امريكا واسرائيل ، وأن الدعامه الاساسيه لحكومة الجنوب هي شركات أمنيه أمريكيه (يلاك ووتر ودين كورب) وأن التسليح أمريكي ، واسرائيلي تحت غطاءات متعدده ، الا أن الحكومه السودانيه والجامعه العربيه وبعض من الدول العربيه التي تحدثت عن الامر ، توافقت مع امريكا وبالتالي اسرائيل في تسليم الجنوب طواعية والقبول بانفصاله.

واقعتان كاشفتان لحالة الانقسام العربي ، واحده ترفض التسليم بما اقتطعه خط الامم المتحده الازرق في جنوب لبنان لصالح اسرائيل المصدر الرئيسي للخطر علي الامن العربي ، والاخري في جنوب السودان تقبل بانفصاله عن الوطن الام ، تمهيدا لمتوالية تقسيم السودان.

وتبقي حقيقة أنه لا الدوله الفلسطينيه ولا الديمقراطيه الامريكيه حلا للصراع من اجل الوجود العربي والتقدم ،

فهل يمكن للاخوه في السودان استيعاب درس شجرة العديسه ... أم أنها حصريا لبنانيه.

مصطفي الغزاوي

نشرت بالشرق القطريه في 10 اغسطس 2010

الهدوء والوفاق والمفاوضات المباشره ... لماذا؟؟

الهدوء والوفاق والمفاوضات المباشره ... لماذا؟؟ 2-1

ننقسم داخل مجتمعاتنا بين بعض "يتكلمون" والبعض "يحكمون" وأغلبية "يتفرجون" ، أمر استطبنا العيش معه ، ولم نخرج عليه إلا فيما ندر، وكأنه عقد بين البشر فوق ارض اوطاننا ، ارتضوه والتزموا به ، و يمكن القبول بهذا الامر رغم ما يشوب النفس من مرارة ، ولكن أن ندخل ثلاثتنا "الحكم والمتكلمه والمشاهدون" في مناكفات اقليميه أقرب الي حرب البسوس ، فهذا إهدار للعقل وقدراته علي ادارة الازمات والصراع وفق منظومات علميه استقر عليها الوعي الانساني وقبل الالتزام بها في كل مناحي الحياه حتي الشخصي منها.

وأضيف الي تلك الفئات البعض الذين "يتوسطون" ، وهم في أغلبهم يحاولون تعويض النقص في التوازن بين الاطراف بقاعدة لا غالب ولا مغلوب ، التي يدفع ثمن القبول بها المتكلمون والمتفرجون وتمد في عمر من يحكمون بلا مسئولية او التزام.

وشهدت الايام القليله الماضيه حدثان ، كلاهما دليل علي الوساطه ، التي تؤجل المسئوليه أو تطيح بها ، ولكنها لا تحل عقدة ولا تريح من أزمة ولا هي تضيف رصيدا تراكميا للحركة فوق الارض وتحت الشمس ، ويظل المخفي من الاسباب والنتائج أكثر من المعلن ، وعلينا القبول والتوقف عن الجدل أو البحث عن تفسير.

الحدث الاول قرار لجنة المتابعه العربيه بقبول التفاوض المباشر بين السلطه الفلسطينيه واسرائيل وترك تقدير الامر بيد أبو مازن الذي ينضوي ضمن بعض خامس في أوطاننا يمكن تسميتهم

"المفرطون" لإعتقادهم بالوهم أن تحرير الارض يأتي منحة من الغاصب. وهذا القرار رآه البعض إعادة للكره لملعب أبو مازن وسلطته ، وهو استجابة لطلب من الجانب الامريكي ، استتبعه الرئيس اوباما بتهديد علني لابو مازن أن عليه "عدم التلكوء" وبدأ المفاوضات المباشره.

لم يدخل العرب علي الاطلاق حربا من أجل فلسطين سوي حرب 1948 ، وفيما يبدوا أنهم لن يتورطوا في حرب من أجل فلسطين، ويتحدث البعض منهم عن تضحيات وحروب لا وجود لها الا في اوهامهم؟؟ ويتاباكون أنهم قدموا الغالي والرخيص ويأخذون علي الآخرين أنهم لا يثمنون ما قدموا ، ويطلبون في المقابل ألا يتحدث غيرهم وألا يفعل أحد فعلا إلا بمشورتهم، وفور أن يسود الصمت يهرولون الي الدعه والسكون ويفوضون هذا وذاك. وصارت القضيه الفلسطينيه قضيه يمنح فيها من لا يملك ، ويجني منها من لا يستحق.

رفض العرب المفاوضات المباشره ، وتركوا مبادرة توماس فريدمان فوق المائده مهددين بالغائها ، ثم عادوا الي المفاوضات المباشره ، ولم يعلنوا علينا ماهية المبررات في أي من رواحهم او غدوهم.

وليس هناك تغير في موازين القوي لحساب العرب حتي تحتاج أمريكا الي التفاوض المباشر وان اسرائيل إضطرت لوقف الاستيطان والقبول بحدود الرابع من يونيو 1967 وقبلت بتسليم القدس الشرقيه كعاصمة لدولة فلسطينيه ، وحل مسألة عودة اللاجئين، ولكن الحقيقه ان أسرائيل تفعل عكس ذلك كله ، ولم يعلن الجانب الفلسطيني بعد إختصار الاهداف الفلسطينيه عما هو معلن. فلماذا الاصرار الامريكي علي العودة الي المفاوضات المباشره؟ أم هي العوده الي الجبهه الواحده لاستكمال طوق الحصار من حول غزه ؟؟ وحصار الدور التركي الذي يلوح في الافق.

والحدث الثاني محاولة نزع فتيل أزمة مواجهة بين حزب الله وتيار المستقبل بسبب قرار الاتهام المقرر صدوره عن المحكمه الدوليه نتيجة التحقيقات التي تمت، الامر الذي يهدد حكومة الوفاق في لبنان ، وهو ما استدعي أن يذهب الملك عبد الله والرئيس بشار الاسد معا الي بيروت ، للوساطه والحيلوله دون تكرار مايو 2008 عندما حسم حزب الله احتمالات المواجهة ضده بتحرك مسبق فرض علي الجميع الانتباه أن ثمن التعرض للمقاومه مكلف جدا.

والحديث عن حزب الله يضيف البعض السادس من العرب وهم "الفاعلون" ، يملكون القدره التي صاغتها أيديهم وعرق ودماء وشهداء عبر ثمانيه وعشرون عاما لتتحول المقاومه في لبنان الي الرقم الصعب في معادلة الشرق الاوسط ، وتكسر المقاومه اللبنانيه بقيادة حزب الله استراتيجية أمن لبنان في ضعفه وتجدع أنف الصلف الصهيوني ، وتفرض ردعا من نوع جديد في معادلة المقاومه المسلحة.

ورحلة الملك عبدالله تلفت الانتباه أن الامر ليس بالهين ، فالرجل جاء من المغرب الي مصر ليلتقي رئيسها ، ثم يتوجه الي دمشق ليلتقي رئيسها ويصطحبه الي بيروت ، وفي بيروت يركب سيارة الحريري الابن الذي يقودها بنفسه الي منزله ليستكملا معا حديثهما. وبعد رحلته هذه ينتقل الي الاردن ليلتقي الملك الاردني !!

الحدثان يؤكدان أن الهدوء مطلب جوهري يستحق هذا السخاء في الجهود والتفويضات والوساطات ، والسؤال المطلوب الاجابة عليه : لماذا صار الهدوء والوفاق والمفاوضات المباشره دون أدني التزام علي اسرائيل مطلبا ملحا ؟؟

السؤال يلح بشده خاصة أن مليون ونصف المليون فلسطيني تحت الحصار في غزه ، والطائرات الاسرائيليه تستهدفهم ، بينما غبار الوساطة لم ينقشع ، وحبر قرار لجنة المتابعه لم يجف ، ورغم ذلك لا ينتبه أحد اليهم ، ويكتشف بعض المستعربين أن لهم حدودا مع غزه ، وأنها في خطر ، وأن جدرا من زبر الحديد من ضرورات الامن.

ويزداد الغموض عندما نلاحظ اقترابا من تفاهم مع ايران حول تبادل اليورانيوم المخصب ، واحتمال بدأ الحوار مع مجموعة الدول الخمس والمانيا. فضلا عن توازن في القوي مازال يحول دون توجيه ضربة عسكرية الي ايران خشية ردود الفعل سواء علي القوات الامريكيه في الخليج والعراق او علي اسرائيل ذاتها ، والتي أصيب مشروعها "القبه الحديديه" بانتكاسة نتيجة الصاروخ الذي أصاب عسقلان منذ ثلاثة أيام ، ذلك غير أن الخيار الامريكي مازال في إطار العمليات السريه والمخابراتيه لعلها تصيب الاهداف الايرانيه دون دفع ثمن المواجهة العسكريه.

ويبقي السؤال حائرا : لماذا صار الهدوء والوفاق والمفاوضات المباشره دون أدني التزام علي اسرائيل مطلبا ملحا ؟؟

علي الجانب الآخر الولايات المتحده تبدو في محاولات مستمره وجاده من أجل التخلص من الوجود في العراق وأفغانستان ، او في الحد الادني التخلص من المهام القتاليه المباشره والاستعاضه عن ذلك بمهام معاونه لعراقيين او لافغان ، أي العوده الي استراتيجية فتنمة الحرب التي سبقت انهيار الوجود الامريكي في فيتنام.

مصطفي الغزاوي

نشرت بالشرق القطريه 3-8- 2010

الهدوء والوفاق والمفاوضات المباشره ... لماذا؟؟ 2-2

خمسة أشهر متبقيه من العقد الاول من القرن الواحد والعشرون ، عقد شهد أحداث سبتمبر 2001 والهجوم علي برجي التجاره العالميه في نيويورك ، وما استتبعه من الهجوم علي افغانستان تحت دعاوي ملاحقة تنظيم القاعدة وبالتبعيه طالبان الافغانيه ، ثم الحرب علي العراق تحت دعاوي أن العراق يهدد السلم والامن العالميين لامتلاكه اسلحة دمار شامل ، ويملك أسلحة نوويه او يسعي اليها.

قد يطلق البعض علي هذا العقد عقد الحادي عشر من سبتمبر ، أو عقد الحرب علي الارهاب ، او عقد الكذب الامريكي ، وأيا ما كان ما سيطلقونه علي هذه السنين العشر ، إلا أنها كانت سنوات عجاف علي الدول العربيه والاسلاميه ، بل لعلنا لا نتجاوز في أنها كانت خطرا علي الاسلام ذاته ، في الصوره ، ومحاولات تغيير المضمون.

هكذا لم تتحمل أمريكا وكل من تحالف معها ، عشر أعوام ، إلا وهي تبحث عن مخرج مما تورطت فيه ، ولم تستطيع ان تنهيه كما أرادت ، وأعادت المقاومه في افغانستان والعراق إحتمالات تكرار فيتنام جديده،

ولكن امريكا عودتنا انها لا تنهي صراعا لتعود ادراجها خلف المحيطين ، بل تنتج عدوا جديدا يستلزم معه وجودا عسكريا ومخابراتيا مبررا أمام دافع الضرائب الامريكي ، لتعيد ترتيب الاوضاع وفق مصالحها المعلنه وغير المعلنه.

وعندما انهار الاتحاد السوفييتي في اول تسعينيات القرن الماضي ، وكان روبرت جيتس وزير الدفاع الامريكي الحالي في حينها رئيسا للمخابرات المركزيه الامريكيه ، وجه اليه سؤال حول ماذا بعد غياب العدو ــ الاتحاد السوفييتي ــ وكان رده حينها ، "أننا سنواجه الشرق الحقيقي الآن ، والقوه الاساسيه فيه هي الاسلام" ، وقياسا علي ان النتيجه التي حسمت انتهاء الحرب البارده كانت انهيار الاتحاد السوفييتي وتفكك منظومة الدول الاشتراكيه ، فإن الصراع كما حدده استراتيجيا روبرت جيتس منذ عشرون عاما ، لم يصل لنهايته بعد.

ويظل السؤال حائرا : لماذا صار الهدوء والوفاق والمفاوضات المباشره دون أدني التزام علي اسرائيل مطلبا ملحا ؟؟

يبدوا من تحركات امريكا وما يسمي بالاعتدال العربي ان هناك حملة للتهدأه ، من أفغانستان حتي لبنان. وإذا كانت حملة التهدأه تشمل الشرق الاوسط علينا أن نكتشف نحن ، ما هي المهمه المباشره التاليه؟، وأين ميدان الصراع التالي؟ وما هي الاهداف من تغيير الاتجاه؟

قد يكون الهدف من التهدأه شرقا ، هو كسب الوقت مع الاحتفاظ بالحد الادني من الانشطه ، وعدم الانسلاخ الكامل من مهام ما زالت عالقه ، وفسحة الوقت سوف تفيد في الحد الادني في استكمال التعافي من الازمه الاقتصاديه ، واستعادة الاداره الامريكيه لثقة الناخب الامريكي ، وثالثا الانتهاء من تطوير لازم لمنظومة القبه الحديديه او غيرها لمواجهة الصواريخ قصيرة المدي ، وذلك كله ضمن إشاعة مناخ أن إستدراكا عاقلا للانفلات الامريكي في استخدام السلاح كان من نتيجته قتلي أمريكيين وغياب لصورة الحلم الديمقراطي الامريكي والذي حل محله قضبان جوانتنامو وابو غريب.

ولكن المؤشرات تتجه جنوبا من الشرق الاوسط ، الي حوض النيل ، حتي يمكن أن نقول أن العقد الثاني من القرن الواحد والعشرين ، هو "عقد حوض النيل" ، فهو يبدأ بإستفتاء جنوب السودان في يناير 2011 للاختيار بين الانفصال عن الشمال او استمرار الوحدة للتراب والبشر ، أستفتاء يفتح أبواب الجحيم ليس علي السودان فحسب بل علي مصر ايضا، وكأننا بصدد الإعمال الكامل والحرفي لمخططات تقسيم الدول العربيه التي نشرت وبوضوح في اول الثمانينيات من القرن الماضي.

أسئلة حائره ، لماذا صار الهدوء والوفاق والمفاوضات المباشره دون أدني التزام علي اسرائيل مطلبا ملحا؟ وما هي المهمه المباشره التاليه لدي الطرف الامريكي والصهيوني؟، وأين ميدان الصراع التالي؟ وما هي الاهداف من تغيير الاتجاه الي الجنوب الي حوض النيل غير تقسيم مصر؟ ولنسعي وراء إجابة حتي وإن بدت الإجابات ضربا من الخيال ، فنحن العرب أصحاب المفارقات الحاده ، فعندما تقع هزيمة السلاح في حرب 1967 ترفض السياسة الاستسلام لها ، وعندما ينتصر السلاح في حرب 1973 تفرط السياسه وتسلم بمطالب العدو ، ويذهب عائد النصر داخل اوطاننا لغير أهله.

مصطفي الغزاوي

نشرت بالشرق القطريه 4-6-2010

٢٨‏/٠٧‏/٢٠١٠

23 يوليو 1952 ... درس "تحرير الارادة"



23 يوليو 1952 ... درس "تحرير الارادة"

فجأه وبدون مقدمات ، وجدت همسا يدور بين إبنتي ووالدتها مؤداه (غدا الساعه السابعه أمام نقابة الصحفيين) ، فأستفسرت ، وجاءني التفسير "وقفة تضامن مع فيروز" لانهم يمنعونها من الغناء ؟؟ فيروز كروان القدس ونسر العودة تمنع من الغناء ؟؟؟ ، وتساءلت : وماذا تنويان ؟؟ وكان الرد حاسما وحازما : سنشارك واعقبت الابنه قائلة : حتي فيروز يريدون حرماننا منها ، وأغلقت باب غرفتها ليتصاعد من خلفه صوت فيروز "سنرجع يوما ... خبرني العندليب".

كان المشهد كقمة جبل الجليد العائم ، الكل في بحر الوقفات الاحتجاجيه ، وفي قول آخر التضامنيه، يشكل جبلا غاطسا للاعماق ، يشمل اوجه الحياة في المجتمع من أسعار الي مرتبات وعلاج وتضامن مع غزه والعراق ورفض لمشروع او ممنوع هنا او هناك ، الكل يعلن موقفه "بوقفة" ، وكأن قانون التطور في المجتمعات صار ضمن قوانين السكون (الاستاتيكا) ، حيث المحصلة الصفريه أي الموت ، وليس ضمن قوانين الحركة (الديناميكا)، حيث تنوع القوه وحيويتها. وذهب بي التفكير الي ما سبق 23 يوليو وأدي اليه ، وكيف اته لم ينتهي الي وقفة احتجاجيه؟؟ ومن أين استمد حيويته ؟؟ وقدرة الفعل ، ووصل لتحقيق ما كان حينها أضغاث أحلام يكتبها بعض المناضلين في يوميات يخفونها تحت بلاطات منازلهم خشية مداهمة تكشف جريمة التفكير في الثوره ، وكتابة الفكره علي الورق!!!

واستدعيت من الذاكرة ما كتبه جمال عبد الناصر في فلسفة الثوره " بأنهم في خنادق الفالوجا بفلسطين أدركوا أن الطريق لتحرير فلسطين يمر عبر القاهره" ، وسط طلقات النيران كان يتحدد الهدف والمسار " رؤيه " كانت واجبة حينها للبدأ في الاجابة عن سؤال "كيف : ما العمل؟"
ويعود عبد الناصر في قول آخر أنهم قرروا"تجريد الملك من الجيش ، العصا التي يواجه بها الشعب" ، ويحدد خالد محي الدين في موضع ثالث "أن الاداه كانت تنظيم الضباط الاحرار والذي تشكل من مجموعة ذات انتماءات سياسيه واجتماعيه مختلفه ، إجتمعت علي اهداف مباشره للثوره" . من خنادق الفالوجا الي ليلة الثوره ، ارتبطت فلسطين بالاهداف الست للثوره. هناك في خنادق الفالوجا كان الدرس الاساسي " تحرير الاراده " ، فليس منطقيا لأي طرف في أي صراع كان أن يمارس دوره وإرادته منقوصه ، ويحكمها غيره ، وحاكمها تتباين اهدافه ونواياه مع طبيعة الصراع الذي نخوض ، فحيث يجب المواجهة ، يدير ظهره للعدو ، وحيث يتوقع القتال ، يبني قصورا رخاميه في ميدان القتال.

"تحرير الارادة" هو العنوان المناسب لصباح 23 يوليو 1952 ، هو جوهر الصراع ، وهو ما تحقق يومها . "والشعوب لا تحرر إرادتها لتضعها في متاحف التاريخ" ، ولكن يعود عبد الناصر ليحدد نطاقاتها الاستراتيجيه الثلاث ، دائرة عربيه ، ودائرة إفريقيه والثالثه إسلاميه ، وتولدت دائرة عدم الانحياز لتكون قاسما مشتركا لحركة التحرر الوطني والتنميه في عالم الاستقطاب الثنائي والحرب البارده.

58 عاما مضت بين صباح تحرير الارادة ، وزمن الوقفات الاحتجاجيه ، أعوام لم تنقضي دون ان تترك آثارها من جراء أحداث جرت خلالها وعادت تطرح من جديد سؤال ما العمل؟ والتاريخ لا يعيد نفسه ، فإن كانت المرة الاولي مأساة ، ففي الثانيه تقارب المهزله ، لن نرصد الواقع العربي الداخلي في اقطاره ، ولكننا سنقارب المشهد عبر ثلاث متغيرات أساسيه ، علها توضح حجم الخطر الذي يحيق بنا دون ان نتخذ موقفا تجاهة ودون اي محاولة للحفاظ علي ارادة حرة :

المشهد الاول : فلسطين وبدون خنادق الفالوجا ..... انتقلت من حركة تحرير الي ترتيبات تسوية ، تراجعت فيها حركة المقاومة الفلسطينيه الي مسميات دولة ، ومتحدثون رسميون امام كاميرات الفضائيات ، بأربطة العنق والياقات البيضاء ، ورئيس سلطة يركب طائرة تغدو وتروح ،بين الصين والبيت الابيض، وخصومته الاساسيه صارت مع ابناء من جلدته يرون المقاومة حقا وواجبا ، وهو يقبل أي شئ وكل شئ إلا أن يذكره أحد بحق او واجب ، خاصة اذا اقترن ذلك بخرق للواجب الامني الذي تفرضه خارطة الطريق عليه ، وهو الواجب الذي يديره تلاميذ الجنرال دايتون في السلطه. ويبلغ الامر بوزير الدفاع الاسرائيلي ، أن يقدم سليمان فياض في مؤتمر هرتيسليا ليعرض لشهادة امام المؤتمر عن أداء حكومته لواجباتها الامنيه ، وعلي الناحية الاخري يخطب ابو مازن في مؤتمر اقتصادي ببيت لحم ، إعمالا لرؤية نتنياهو "أن الحل أمني إقتصادي" ، بينما البحريه الاسرائيليه تهاجم سفينة مرمره التركيه المتجهه الي غزه ضمن قافلة الحريه لكسر حصار غزه ، ويقتل الاسرائيليون عددا من ركابها الاتراك بدم بارد ، ويضيف الدم التركي رباطا جديدا بين غزه المحاصره وتركيا أردوغان . ويلوك العرب حديث خالي المضمون حول وحدة وطنيه بين اطراف فلسطينيه متناقضة الخيارات والرؤي. ويضم المشهد واقع بقاء الجولان السوريه تحت الاحتلال منذ 1967.
مشهد يضاعف من أجراس الخطر ، ونواجه التردي بإدخال قناعة في أنفسنا أن فلسطين قضية تملك مقومات بقاءها في ذاتها ، قناعةغير مبررة إلا بحقيقة التاريخ والجغرافيا والبشر والشهداء. وبدون قناعة البشر بحقائق التاريخ والجغرافيا ، وبدون قناعة البشر أن لكل شئ ثمنه ، وأن الشهداء عبر التاريخ هم وقود المقاومه وأن المقاومه هي السبيل الوحيد لأقرار أي محتل في حق الشعب في أرضه، بدون تلك القناعات ستفقد فلسطين مقومات بقاءها.

المشهد الثاني : دولة كردستان الكبري ، بين تركيا وسوريا والعراق وايران ، تكوين تبدوا فيه المفارقه التاريخيه ، بديل تحرير فلسطين من النهر للبحر وبديل إزالة آثار عدوان 5 يونيو 1967 ، يجري تقسيم العراق ، وقبل اكتمال صورة عراق ما بعد الاجتياح الامريكي ، تتشكل دولة الشمال الكردي بكل الدعم الاسرائيلي والامريكي ، ويصبح رئيس الشمال الكردي ضيف القصور العربيه ، شأنه شأن أيو مازن. ويصبح شمال العراق قاعدة الارتكاز للحركة الكرديه في اتجاه جنوب شرق تركيا وغرب ايران وشمال سوريا. في الاتجاه التركي حزب العمال الكردي ، بلغ به رهان الثقه مداه من جراء الدعم الاسرائيلي له ، وايضا من جراء المواجهة بين اسرائيل وتركيا أردوغان ، لتمتد عمليات الحزب العسكريه الي قاعدة بحريه بالاسكندرونه جنوب غرب تركيا ويقول المراقبون أن هذه العمليه تمت بمعاونة من قمر صناعي ، وأن هذا التعاون مصدره اسرائيل.
وفي اتجاه ايراني ، فالعمليات تقع تحت عنوان إعداد مسرح العمليات لمواجهة المشروع النووي الايراني ، والتعاون هنا يشمل امريكا وانجلنرا واسرائيل ، ويمثل الوجود الكردي البيئه الحاضنه لهذه العمليات والتي في غالبها عمليات مخابراتيه.
مشهد يوحي بأن دولة كردستان الكبري هي كرة ثلج تبدأ من شمال العراق ، لتتدحرج شرقا وشمالا ، بين مصدر دائم للتوتر ، وقاعدة انطلاق اسرائيليه ، كي تصبح نواة دولة الفصل بين تركيا والعراق وايران.
مشهد أجراس الخطر فيه تصم الآذان ، ولكن في الأذان وقر.

المشهد الثالث : تتشابك فصوله حول القرن الافريقي ، وباب المندب ، يمتد شرقا ليشمل اليمن ، ويمتد غربا ليصل بين الصومال ، ومنابع النيل ، وجنوب السودان ودارفور. مشهد يعرض لحقيقة الترابط بين الدائرة العربية وأمنها وبين الدائرة الافريقيه.
اليمن تم الايقاع به داخل ما يطلق عليه استرتيجية مقاومة الارهاب ،وتتفجر دعوة بانفصال الجنوب ، وينشب قتال في صعده ، بين الحكومة والحوثيين ، يجري تحويله الي قتال بين القبائل بعضها البعض ، والطيران الامريكي يختار الاهداف التي يشاء داخل اليمن ليقصفها ، ويصل الي حد اكتشاف أن مواقع مدنيه تم قصفها بواسطة صواريخ كروز التي لا يملكها الجيش اليمني.
ويبقي الاقتتال في الصومال ، وما يسمي بالقراصنه الصوماليين ، وتتحول مياه القرن الافريقي الي بيئه جاذبه لكل الاساطيل ، وتصل غواصتان اسرائيليتان ، لتكمل طريقهما الي بحر العرب و مياه الخليج ، وتصل اصداء كل ذلك الي منابع النيل ، لينفجر الموقف بين دول المنابع ودولتي المصب مصر والسودان.
ويقترب موعد الاستفتاء في جنوب السودان ، وليختار أهلنا في الجنوب بين الانفصال والبقاء في إطار السودان الموحد، وفي ذات الوقت يعلن الرئيس البشير أن حلايب سودانيه ، وتتنمر مصر !!!
جنوب السودان ينفصل ، والبشير ومصر يتنازعان حول حلايب ؟؟؟
في حرب 1973 أغلقت البحريه المصريه باب المندب ، وتحول البحر الاحمر الي بحيرة عربيه، واليوم يتم تقسيم السودان ، والتقسيم من بعد الجنوب سيشمل دارفور وشرق السودان.
قد يري بعض العرب أن القضية الفلسطينيه مسئولية أجيال سبقت ، فكيف يرون الآن السودان و قضاياه هل سيتركونه وسط الرمال المتحركه يضيع قطعة بعد أخري؟؟

ثلاثة نقاط ترسم خريطة التقسيم الجديده ، من القدس الي كردستان وصولا الي جنوب السودان وبحيرة فيكتوريا ، وهي
ذاتها ترسم حدود الاعباء الواقعه علي كاهل العرب ، أعباء لا تواجهها غير إرادة حره ، تملك رؤية لأمنها ، ومجال حيويا تعيش فيه ، ولا تملك ترف التغافل عته.
لم تعد القدس وحدها في دائرة الخطر بل السودان كله دخل دائرة الخطر ، أمر لا تصلح معه وقفات احتجاج ، ولا اغنيات فيروز المصادره ، بل يحتاج الي جيل عربي جديد عله يؤمن بعروبته ، ويملك شجاعة الدفاع عنها ، ويقبل بدفع الثمن.

مصطفي الغزاوي
نشرت بالشرق القطريه 27 يوليو 2010