٠١‏/١١‏/٢٠٠٧

محمـد حسـنين هيـكل: جسـور وعقـبات

محاضرة في جامعة أوكسفورد بحضور رئيسها وكبار الصحافيين والأكاديميين البريطانيين
محمـد حسـنين هيـكل: «جسـور وعقـبات»

اللورد «باتن»، رئيس جامعة أوكسفورد
حضرات السيدات والسادة
يسعدني ويشرفني أن تتفضلوا بدعوتي أول متحدث في المحاضرة التذكارية بكلية الصحافة التي أسس لها هذا التوافق بين جامعة «أوكسفورد» ووكالة «رويترز».
إن هذا التوافق بين جامعة عريقة (أوكسفورد) ووكالة أنباء شهيرة (رويترز) يصعب أن يكون لقاء مصادفات، إذا دققنا أسبابه وتمثلنا نتائجه.
ومن وجهة نظر عملية ـ وعلمية كذلك ـ فإن الصحافة على تنوع وسائلها وأدواتها لديها ثلاثة طرق اقتراب واضحة إلى وظيفتها الحيوية في مجتمعات الحرية والتقدم.
أول طرق الاقتراب: أن تكون الصحافة ـ مكتوبة أو مسموعة أو مرئية ـ خطوطا مفتوحة تنقل القرار السياسي على اختلاف مجالاته: داخلية وخارجية ـ اقتصادية واجتماعية ـ استراتيية وعسكرية ـ من مواقع صُنعه إلى أوسع دوائر المواطنة التي يهمها شأنه، بحيث يتأكد الحق العام في العلم به، وتتوافر إمكانية التعرف على موجباته، والاستعداد لآثاره وتكاليفه، والاطمئنان إلى اتساقه مع الإرادة العامة في الوطن وخارجه، وكي يظل تحت المتابعة الدستورية والقانونية، ويصبح الرأي العام قادرا على ممارسة مسؤولية الرقابة عليه، والقدرة على إعادة توجيهه ديموقراطيا إذا لزم.
وطريق الاقتراب الثاني: أن تكون وسائل الصحافة وأدواتها خطوطا مفتوحة ـ أيضا ـ ما بين مجالات الفكر والعلم والفن من مراكز حيويتها، سواء في الجامعات، أو المعاهد ومراكز البحث، أو مسارح العرض والأداء وأشكالها المتعددة في التعبير، إلى جمهور واسع له الحق أن يرى ويستوعب ويستمتع.
وطريق الاقتراب الثالث: أن تحاول نفس الوسائل والأدوات قصاراها كي تنقل وتستثير أنفع وأرفع حوار بين القرار السياسي وشؤونه الجارية وقضاياه واهتماماته، وبين الأفكار وقدرتها على تخصيب الفعل الإنساني وتوليده، كي يجمع الحوار ما بين الفعل والفكر، ويؤكد القيمة ويحفز إرادة إنسانية ذكية وقوية. وهنا فإن التوافق بين الجامعة العريقة ووكالة الأنباء الشهيرة يصبح مرغوبا فيه ومطلوبا.
[ [ [
إن طرق الاقتراب الثلاثة كما وصفتها لا تحقق مطلوبها بهذه البساطة التي وصفتها، فالواقع العملي أكثر تعقيدا، لأن مراكز صُنع القرار لا تمارس فعلها المثالي المفترض، وإنما تمارسه تحت سطوة صراعات تاريخية كبرى ومصالح يتعارض بعضها مع بعض، والكثير منها غائر في زمانه، أو جامح في مقاصده، أو عنيف في ممارساته، وفي ظل هذه الأحوال فإن القرار السياسي تحكمه ـ بالقطع ـ عوامل غير مثالية!
بالتوازي، فإن مجالات صُنع الأفكار ومنجزات العلوم وتجليات الفنون لا تطرح ما لديها في ذات الفضاء المثالي المفترض، وإنما تتأثر هذه المجالات في مجمل نشاطها بضغوط يناسبها أن تضرب علها تزيح، أو تحجب علها تحتكر، وهنا تبرز عوائق تعرقل المثال الحر للقيمة والقدوة.
يلي ذلك أن قنوات الاتصال التي تمثلها الصحافة لا تمارس دورها في نقل الأخبار والأفكار وصوت وصدى الحوار، على خطوط مستقيمة سالكة ومطهرة، وإنما تتعرض قنواتها المفتوحة على الطرق الطويلة لأنواع ودرجات من التدخل والتحيز تمليها الصراعات والضغوط والمصالح، وحتى الأهواء والأمزجة.
حضرات السيدات والسادة،
إنني سعيد بهذه الفرصة التي أتحتموها لي كي أتحدث أمامكم في هذه المناسبة التي توافقت فيها جامعة عريقة مع وكالة أنباء شهيرة على لقاء يسهم في دعم كفاءة الإعلام من حيث إعداده وتأهيله لأداء دوره من دون عوائق بين القرار والأفكار والحوار، وبحيث يتحمل هذا الإعلام مسؤوليته في أزمنة متغيرة.
إننا نتحدث كثيرا عن عالم واحد لكن مثل هذا الحديث فيه قدر من المبالغة، أو ربما التمني، فقد نكون في حكم الجغرافيا عالما واحدا، لكننا في حكم التاريخ عالمان: شمال وجنوب، وليس يجدي أن نتأدب ونجامل في الحقيقة، وكذلك ليس يجدي أن نكتفي بالنظر إلى النخب المتعولمة في الجنوب، وننسى الكتل الهائلة من البشر وراءها، بل بعيدا عنها.
إن هناك عالمين: شمالا وجنوبا، والفجوة بين الاثنين واسعة وخطرة، وهي تزداد اتساعا وخطرا إذ تلتبس الحقائق وتتداخل الهواجس بين المثالي المفترض وبين الواقع العملي المعقد عند صناع القرار والأفكار، وعندما تتلكأ قنوات النقل والتدفق الحر، وتتلوى مرات وتنسد مرات، وتصبح الفجوة هوة، والهوة هاوية، وتتحول الرسالة للغم في حرف أو قنبلة في رسم!
حضرات السيدات والسادة،
إذا كانت دعوتكم مبعث سعادة وشرف لي، فهي في ذات اللحظة مسؤولية تدعوني الى أن أتحدث معكم بصراحة وأمانة، أزعم أنها قد تكون مقبولة مني وربما مغفورة.
ذلك أنني رجل من عالم الجنوب يدرك هموم عالمه لأنه يعيش واقعها، وهو يتحدث إلى عالم الشمال ويحسب أنه يستطيع فهمه، بظن أن الظروف أتاحت له أن يعيش مهنة الصحافة في الجنوب وفي الشمال معا، فقد كتب في العالم العربي وعنه، ومارس في الجريدة والكتاب والتلفزيون هناك، ثم إن الظروف منحته فرصة أن يمارس هنا كذلك، وانطلاقا من هذا البلد بالتحديد، حيث قامت صحف ودوريات بريطانية عديدة مثل «التيمز» و»الغارديان» و»الإندبندنت» و»الأوبزرفر» بنشر مقالاته وأحاديثه، ثم إن مؤسسات نشر عريقة قامت بإصدار الطبعات الأصلية من كتبه، فظهرت كاملة في المكتبات لطالبيها، ثم نشرت على فصول مسلسلة حملتها صحف كبرى مثل «الصنداي تلغراف» و»الصنداي تيمز» إلى جانب مقالات وأحاديث وغيرها، وكل ذلك أخذ عمله إلى لغات كثيرة وصلت به واسعا وبعيدا!
حضرات السيدات والسادة،
قلت إن انتمائي لعالم الجنوب يجعلني مدركا لهمومه ومشاكله، وقلت إنني زائر للشمال يظن أو يتوهم أنه يتفهم هذا العالم ومحركاته، وقلت إن المسافة بين العالمين واسعة وتزداد اتساعا، وأسمح لنفسي بالقول، من هذه الحافة بين العالمين، إننا نحتاج الآن وبسرعة إلى جسور لعبور هذه المسافة، وإلا تصادمت الكتل ووقعت انفجارات مهولة تسقط مثل الكواكب التي يختل مدارها في ثقوب سوداء في مجاهل الفضاء! وبعض ذلك وارد، واحتمالاته تتزايد إن لم نبذل جهدا، وأول الجهد أن نتصارح، مهما كانت المصارحة مزعجة!
دعوني أبدأ وأقُل بتعميم إجمالي، إن عالمنا في الجنوب يشعر بأن القرار الصادر من مراكز القوة الدولية ـ كما يصل إليه ـ يصدمه بقسوة لا يبدو أنها تأبه وتهتم ـ وبإصرار على العنف لا يبدو أنه يخشى أو يتحرج ـ ثم إن صوت الحوار لا يدعوه إلى مشاركة، لأن القرار في معظم الأحيان ينقض عليه بغتة ودهما.
يشعر عالمنا في الجنوب كذلك بأن دنيا الأفكار والعلوم والفنون ـ كما تضيء أمامه من بعيد ـ ليست مقبلة عليه أو مرحبة به كما يأمل ويتمنى.
ثم إن صوت الحوار يصل إلى الجنوب ـ إذا وصل ـ مثقلا بشوائب من التحيز بل والعدوانية!
وهنا وفي هذا السياق فإنني أستأذن أن أطرح أمامكم ثلاث ملاحظات، آمل أن توضع في اعتباركم، راجيا أن لا يُعتبر القول فيها نوعا من الشكوى أو عارضا من هواجس عقد نفسية لدى القائلين بها، وإذا بدا ظاهر هذه الملاحظات بعيدا عن الموضوع، فإنني آمل في صبركم لعله يتضح أنها قريبة منه إن لم تكن في صميمه.
أولى الملاحظات: أننا لسنا أمام صراع حضارات متعددة متعارضة يمكن أن تتصادم أو تتصالح، لأن شواهد التطور التاريخي تومئ إلينا بأنها حضارة إنسانية واحدة، صب فيها الجميع ما زاد عندهم أوقات الفيض، وسحب منها الجميع ما لزمهم أوقات الجفاف، وساعدوا ـ كلٍ في زمانه ـ على ملء خزان هائل للحضارة الإنسانية أصبح شراكة طبيعة ورصيدا جماعيا متاحا بالحق لمن يريد ويستطيع.
ومن المفيد هنا أن نتذكر أنه مع اتساع الأرض واتصال التاريخ، فإن كافة الشعوب والأمم قدمت ما راكمته من ثقافات البيئة والمعرفة والتجربة ـ وعن طريق الانتقال الحر للمنافع ـ إضافات سخية ومستمرة وتلقائية، إلى المشترك البشري الجامع.
ذلك حدث حالة التأمل والفلسفة بحثا عن الحق والحقيقة. حالة كشف العقل حين تعرف الناس في الفجر الإنساني الأول على ملكات التصور، وتوصلوا إلى سر الحرف في الأبجدية وسحر الرقم في العدد. حالة التنبه إلى معجزة الزراعة. حالة صناعة الأدوات والمعدات. حالة فنون المعمار. حالة فتح الطرق واستئناس وسائل المواصلات. حالة صنع السفن وركوب البحار. حالة النظر إلى الفلك ومسارات النجوم... إلى آخره.
في هذه الحالات وغيرها، فإن الثقافات الطالعة في كل مكان شقت جداول وينابيع محلية، فاضت على جوارها عندما تبين هذا الجوار نفعها، ثم التقت هذه الجداول والينابيع لتكوِّن ما يمكن أن نسميه مجمع ثقافات أو أحواض حضارة، بعضها يكاد يكون مرسوما محددا كخط بالقلم ومثاله الأظهر حوض البحر الأبيض. ثم إن الأحواض الحضارية في كل إقليم من أقاليم الدنيا امتلأت وفاضت، وتمددت واتصلت بحيث بسطت محيطا واسعا لحضارة إنسانية قابلة للانتشار، قادرة على العطاء، عابرة للزمان والمكان.
وعلى امتداد عملية التفاعل بين الثقافات وهي تتدفق من مواقعها الأولية وأحواضها الأوسع إلى المحيط الكبير، وما بين الصب والسحب من الرصيد المشترك للحضارة الإنسانية، فإن الحوض الحضاري للبحر الأبيض تحركت عليه تيارات تتبدى كأنها خريطة مناخية حية موصولة بين معابد وقصور بابل ومنف إلى أروقة وأعمدة أثينا، إلى مكتبة الإسكندرية، إلى دار الحكمة في بغداد، إلى دمشق، إلى قرطبة، ثم عبر صقلية نحو جنوب أوروبا، إلى إيطاليا، ثم إلى الشمال نحو ألمانيا وفرنسا وبريطانيا، ثم يتجه الخط عابرا للأطلسي إلى أميركا ينفذ من الشاطئ إلى الشاطئ في اتجاه الباسيفيك، ليعود فيطل على شرق آسيا، فإذا الحيوية المتجددة لفيض البحر الأبيض عبر الأطلنطي، تجتاز المحيط الهادي كي تلتقي هناك بالحوض العميق للحضارة الصينية.
لقد تصادف هذا الصيف أنني وقفت أمام مكتبة الإسكندرية التي أعيد بناؤها، ثم كنت بعد أيام عند سفح «الأكروبول»، ثم صعدت سلم كنيسة القديس «بطرس» في الفاتيكان، ثم تجولت متأملا معالم النهضة ومقتنيات القصور في فلورنسا، ثم مشيت فوق جسور فينيسيا نحو ميدان القديس «مرقس»، وعند هذه المواقع ومشاهدها فقد ملأت خواطري عبارة كتبها الأستاذ Stefano Carboni أمين متحف «المتربوليتان» في نيويورك قال فيها: «إن حوض البحر الأبيض المتوسط حدود سائلة! «Liquid Frontiers»، وذلك وصف دقيق لحركة الثقافات في صنع أحواض حضارية، ثم فيضان هذه الأحواض لتصنع محيطا حضاريا عالميا وإنسانيا واحدا، وربما أننا إذا عدنا لحظة إلى مجال السياسة نتذكر أن هذا المحيط الإنساني ينسب ـ ولو من باب المجاز ـ في كل عصر إلى القوة الغالبة فيه: فهو فرعوني في عصر. إغريقي في عصر ثان. روماني في عصر ثالث. مسيحي في عصر رابع. إسلامي في عصر خامس. أوروبي في عصر سادس. أميركي هذه اللحظة العابرة!
ومع تعدد اللغات في حالة الثقافات، فإن الحضارة لها لغة رئيسية في كل آن، هي لغة القوة الغالبة في زمانها. فهذه اللغة الرئيسية نطقت يونانية لحظة، لاتينية لحظة أخرى، عربية بعد ذلك، ثم فرنسية أو إنكليزية في هذا الزمان. وقد تصبح نبرة أخرى غدا أو بعد غد!
وعلى تقلب العصور فإن غلبة القوة لا يصح أن تُنسينا شراكة الرصيد الإنساني لمحيط الحضارة ـ فوق أي إمبراطورية ـ أو لغة!
[ [ [
أنتقل إلى ملاحظة ثانية ملخصها أنه قبل سنوات قليلة وقع استغلال فجيعة إنسانية محزنة ضربت مدينة نيويورك في الحادي عشر من سبتمبر (ايلول) ,2001 وبهذا الاستغلال تحولت الفجيعة إلى عملية تلاعب مقصود بالصور وبأسلوب خداع البصر، فإذا العالم يفاجأ بأن صورة المسلم ـ عربيا وغير عربي ـ قد أزيحت لتحل محلها صورة المتعصب الإرهابي، ثم تضافرت عناصر من عوالم القرار والأفكار والحوار تحت ضغوط المصالح المتصارعة بقصد ترسيخ هذا التلاعب بالصور وخداع البصر، إلى حد إعادة كتابة قصة الإرهاب في التاريخ، فإذا الشمال بريء منه، وإذا الشرق الأقصى بعيد عنه، وإذا الدين الإسلامي وحده مرادف للانتحار والقتل في المخيلة العامة الشائعة في الشمال.
نلاحظ أن رمزا دينيا له مقامه هو بابا الفاتيكان «بنديكتوس السادس عشر» وقف يتحدث عن الإسلام وعن الحضارة في جامعة ألمانية، فإذا هو يلحق «التمدن» بالشمال، والهمجية بالجنوب الإسلامي، ويقرر ولو بالتلميح أن الفارق بين العالمين: «أن الغرب أخذ من المسيحية ثم من الفلسفة اليونانية ما يميزه عن غيره في إعلاء قيمة الإنسان»، وكان أمل كثيرين ورجاؤهم لو تذكر خليفة «بطرس الرسول» أن المسيحية كلها غيث نزل على الشرق وفاض على الغرب رسالة وحكمة ـ حواريين وقديسين ـ قصصا وتعاليم ـ صلوات وترانيم، كما أن السيد «المسيح» نفسه من مواليد «الناصرة»، والقديس «بطرس»، الذي يقوم الفاتيكان على رفاته من أبناء القدس، كلاهما من الشرق، وأن القديس «مرقس» الذي تقوم كنيسته بمعمارها المتميز على أجمل ميادين أوروبا «سان ماركو»، مولود في أقاصي صعيد مصر، وكان مدفنه في الإسكندرية، ومنها أخذ رفاته (ولا أقول سُرق) في القرن التاسع إلى «فينيسيا»، وذلك رغم ان كبار فناني النهضة جنحوا إلى تصوير هؤلاء الرسل والقديسين والحواريين معظم الوقت أصحاب بشرة بيضاء وعيون زرقاء وشعر ذهب.
هذا عن التأثر بالمسيحية في شأن تمدن الشمال أو تمدن الغرب.
وأما عن نفحة الفلسفة الإغريقية، فليس هناك من لا يعرف أن الفلسفة الإغريقية لها مقدمات سبقتها وجوار مشرقي أحاط بها وانساب إليها، ثم إن الفلسفة الإغريقية ضاعت من أوروبا في ظلام القرون الوسطى، بينما كان الجنوب الإسلامي في حالة انتعاش وتدفق ثقافي، وضمن تفاعلات هذا الانتعاش والتدفق فإن الفلسفة الإغريقية عادت إلى أوروبا عن طريق فلاسفة الأندلس العرب، وعلى رأسهم الفيلسوف المسلم الأشهر «محمد بن أحمد بن رشد الأندلسي»، ولم يكن «ابن رشد» وغيره من فلاسفة الإسلام مجرد وسطاء أو ناقلين، وإنما كانوا مجددين زادوا بالدرس، وتوسعوا وأحاطوا.
هي إذاً حدود سائلة على حد وصف أستاذ متحف «المتربوليتان» الحكيم.
[ [ [
حضرات السيدات والسادة
بقيت ملاحظة ثالثة أتمنى أن ألمسها في رفق.
إنني توسعت كثيرا في حديث التاريخ، بينما حديثنا عن الصحافة، وظني أن هناك صلة من نوع ما بين الاثنين، معقدها أن الشرق المسلم ومعه مسيحيوه يدفع الضرائب مرتين:
الأولى ـ لأن حركة التقدم العالمي بسبب ثورة العلوم والتكنولوجيا لم تعطه حتى الآن فرصة لالتقاط الأنفاس، يمسك لحظتها بالعصر ويواصل معه، وفي حين أن الشرق البوذي نجح، أحيانا، في الإمساك باللحظة، فإن الشرق الإسلامي ومعه مسيحيوه تعذر عليهم اللحاق لأسباب معقدة ليس هذا مجالها.
والثانية ـ وهي التي تعنيني لاتصالها بموضوع الإعلام، وملخصها أن الشرق المسلم يعاني من أن الأقلام والأضواء والعدسات كلها توجهت وتركزت عليه، بينما هو يعاني المرحلة الأصعب في الانتقال من قديم إلى جديد، ومن تأخر إلى سبق، ومن عتمة إلى نور.
وبالطبع فإنكم تتذكرون أن ولادة الجديد عندكم جرت وراء ستار، وأما في عالمنا فإنها جارية في منتصف النهار، وكذلك كان الجديد عندنا حملا ومخاضا وميلادا عاريا تحت الوهج وعلى مرأى ومسمع من عالم يتابع ما يجري متجاهلا لحقيقة أن الحمل والمخاض وولادة الجديد حتى وإن كانت مؤلمة عندكم كما هي عندنا، فإن الفارق أنها جرت عندكم مكتومة لتظهر بعدها في كتب التاريخ بأثر رجعي، لكنها عندنا جرت على الهواء مباشرة فبدت وكأنها فضائح بالصورة والصوت واللون.
حضرات السيدات والسادة
لقد كنتم محظوظين في اجتياز الجسور من التخلف إلى التقدم، ولم يكن لدينا مع الأسف هذا الحظ أو بعضه.
ويسأل بعض زملائنا هنا في الشمال: وماذا نفعل؟ أليست تلك طبيعة عصر السرعة؟ والتساؤل صحيح، والرد عليه بأمانة: أن الإعلام في الغرب ليس مطالبا، بالتأكيد، وهو يغطي الشأن الجاري في الجنوب أن يستعيد السجلات كل مرة، لكن المرادف المعنوي لتعذر الاستعادة، هو استذكار درجة من ثقافة الإدراك والتعاطف والموضوعية.
دعوني أقل إنه ليس من باب التعسف أن نسأل لو أن الصحافة الحديثة وضمنها وكالات أنباء مثل «رويترز» أو مؤسسات مثل A.B.C، وC.B.S، وN.B.C، والجزيرة، وSKY، وFOX، وC.N.N، كانت حاضرة زمن حروب الأباطرة والملوك، والكرادلة والعلماء، والمذاهب والطوائف، والقوميات والطبقات، والإمبراطوريات التحديات الإمبراطورية لها في أوروبا؟!
ماذا على سبيل المثال لو كانت هذه الصحافة الحديثة حاضرة أيام مذبحة «سان بارتولميو»، مثلا، حين جرى ذبح مئات الألوف من «الهوجونوت» الفرنسيين على أيدي مواطنيهم من الكاثوليك، بتحريض كرادلة ونبلاء؟!
وماذا لو كانت هذه الصحافة الحديثة حاضرة في ميدان «الكونكورد» حيث كانت مقصلة الثورة الفرنسية تدور وتقطع رؤوس الملوك والأمراء والسياسيين والمفكرين كل يوم من الصباح إلى منتصف الليل؟! أو لو عبرت البحر إلى برج لندن تنقل ما يجري وراء أسواره للإخوة من النبلاء والمحظيات وأولياء العهود من مآس وأهوال؟!
وماذا لو كان هناك بث على الهواء مباشرة لوقائع الحرب الأهلية الأميركية، حين قتل فيها الأخ أخاه، وانتهك عرضه، وحرق زرعه واستباح مدنه وقراه في أطول مجزرة عاشتها أميركا، وأغزر شلال دم تدفق في العالم الجديد!
وماذا لو كان نفس البث المباشر حاضرا ينقل على الهواء مباشرة مشاهد بعض أو أشد الأعمال ظلما في تاريخ الإنسانية؟! تلك التي كان الشمال لسوء الحظ فاعلها، من ظاهرة الاستعمار إلى ظاهرة العبودية، وإلى ظواهر أخرى متوالية في قلب القرن العشرين، وضمنها الستالينية والفاشية والنازية، ومعاداة السامية، ومحارق الهولوكوست التي طالت اليهود وغيرهم من الأجناس والأعراق.
وماذا لو أن هذه الوسائل كانت حاضرة وعلى الهواء مباشرة تنقل الحرب الأهلية في أسبانيا، وتنقل فظائع «جويرنيكا» وفالينسيا» و»توليدو»، بدل أن تعتمد في وصفها على لمحات من كتابات فنانين وساسة من وزن «بابلو بيكاسو» و»أرنست همنغواي» و»أندريه مالرو» و»هيو توماس»؟!
تذكرون أن وسائل الإعلام الحديث لم تلحق إلا قرب النهاية بأهوال الحرب العالمية الأولى، وإلى حد محدود بالحرب العالمية الثانية، ونعرف بالطبع أن هاتين الحربين العالميتين كانتا صراعا بين قوى الشمال ذاتها، لكن الأطراف المتحاربة نقلت ميادين القتل إلى كل القارات وفرضتها على كل الأمم والشعوب، وكانت الحصيلة الإنسانية ما بين ستين وسبعين مليونا من القتلى، وما بين مئة وخمسين إلى مئة وسبعين مليونا من الجرحى في الحربين معا، وعندما جاء المشهد الأخير في الحرب العالمية الثانية ووقع استعمال السلاح النووي، فإنه لم يكن هناك نقل مباشر على الهواء، وعلى أية حال فقد اكتفينا جميعا بسماع أصداء المأساة قائلين في نَفَس واحد شمالا وجنوبا: لن يتكرر ذلك مرة أخرى، ومع ذلك وبرغم هذا التعهد الإنساني الجامع فإنه عندما نشبت المعارك في أفغانستان والعراق، لم تتورع القوات الأميركية عن استعمال أنواع من أسلحة «اليورانيوم» المستنفد، وتلك درجة من الاستهتار، بالوعد وبالإنسان، يصعب اغتفارها.
حضرات السيدات والسادة
تلاحظون أنني أطلت الحديث في ما جرى عندكم، وكنت في ذلك عامدا حتى تبين الصورة أمامكم، ومع أن ذلك إلحاح، أعتذر عن طوله ولا أعتذر عن مقصده، فمن الإنصاف أن نتمثل وجها آخر للحقيقة وهذا هو الحال دائما، فإلى جانب ما عرضت لطرف منه، وكان يمكن أن أمضي في قوائمه إلى ما لا نهاية، فإن هناك فضلا يصعب إنكاره مبدئيا على صحافة الشمال، أوله ودون تحفظ، فإن بعض قضايانا توجهت إليها لمحات مضيئة لضمائر يقظى قاومت ضغوطا وتهديدات نعرف مدى خطرها ونقدر درجة نفاذها إلى دوائر صنع القرار والأفكار والحوار.
وعلى سبيل المثال، فإنه رغم سطوة أصدقاء إسرائيل فإن بعضا من الحقيقة ظهر وبان عن قضية الشعب الفلسطيني الذي اقتلع من أرضه وأزيح إلى معسكرات و»غيتوات» مقهورة يائسة، ثم إنه برغم سلطان ما سُمي بجماعة المحافظين الجُدد ومعهم مجموعة المستشرقين الجدد، فإن حقيقة ما جرى في العراق تكشفت ابتداءً من غزو وطن عربي وتمزيقه بغرور وجهالة القوة وبذرائع مختلقة، كما أننا عرفنا أن الشعب العراقي فَقَدَ نصف مليون مواطن قتلوا، وثلاثة ملايين خرجوا لاجئين من وطنهم، بعضهم داخله في العراق، وأكثرهم في المنافي خارجه، ثم إننا بفضل تلك الضمائر اليقظى في الشمال عرفنا ما جرى في معاقل القهر من «غوانتانامو»، إلى «أبو غريب»، إلى الفلوجة، إلى البصرة، إلى الموصل.
إن تلك الضمائر الحية في صحافة الشمال هي التي كشفت كثيرين من هؤلاء الذين قدموا خططا سياسية، والذين قدموا فتاوى علمية في خدمة مشروع أخذه ما يعتري الإمبراطورية من حماقة القوة، وتجاهل ما تراكمه الإمبراطورية من حكمة الخبرة، ليثبت أن مشروعه هو الأقصر عمرا في تاريخ الإمبراطوريات، لأنه الأقصر نظرا بينها!
إننا وأهم من ذلك كله في تجربة الصب والسحب من الرصيد الإنساني المشترك في المحيط العالمي الأوسع أخذنا هذا العلم البديع الذي قام هذا المعهد ليخدم أهدافه وهو: الصحافة مكتوبة مسموعة مرئية، ولا أتجاوز إذا قلت إنه أدى دورا هائلا في حياة عالمنا.
إنكم بالطبع سبقتم وطورتم، مستعينين باختراقات التكنولويا، حتى أصبح الإعلام العابر لمسافات الكون، أبرز ظواهر العصر وأقوى محركاته.
حضرات السيدات والسادة
على أن طبائع مراحل التطور كما تفتح باستمرار، تقيد أحيانا فتضع حدودا لما يمكن أن يأخذه الناس عن غيرهم، بل يتحتم عليهم أن يصنعوه في تجربتهم بآلامهم، لأن هناك مجالات يستحيل فيها اختصار المعاناة بالنقل أو بالمحاكاة، تجنبا لإعادة اختراع العجلة من جديد.
وأول هذه المجالات هو مجال الحرية ليس بمعناها الشاعري وإنما باعتبارها توجها إلى نظم دستورية وقانونية مضمونة بعقد اجتماعي وسياسي يفرض احترام الحقوق، وبحيث يستطيع أي مواطن حر أن يمارس مسؤولية المواطنة.
إن تجارب الحرية يصعب نقلها ويصعب انتشارها، وتعميمها بالحركة الطبيعية الذاتية لعملية التطور، بل يتحتم صناعتها من البداية إلى مقصودها، أو صيانة هذا المقصود والدفاع عنه، لأن العصور لا تتماثل، والأحوال لكل أحكامها.
فعبر القرن العشرين، بالذات، تحددت القواعد والأصول عندكم، وأصبح ممكنا إرساء أصول وترسيخ بناء، وذلك لم يحدث بعد عندنا في الجنوب، حيث ما زالت الحدود مضطربة، وما زالت القواعد واهية، لأن الصراع من أجل التنوير والحرية والتقدم يتخبط محتدما وتحت ظروف عصية.
بينها أن هذه المعركة في الجنوب تختزل في لحظة زمنية راهنة معارك واجهت الشمال متتالية، فهناك تعاقبت وتوالت عصور التغيير: الحرية والتنوير، الصناعة والتجارة، العدل الاجتماعي، المواصلات والاتصالات، الإنترنت وعالم النشر الإلكتروني، لكنه عندنا تزاحم ذلك كله مع تباين الخلفيات والرؤى والضرورات.
وبينها أن تداخل العصور أحدث ضغوطا ومؤثرات حادة، قومية ودينية وطائفية ومذهبية أدت إلى خلط بين الأولويات، وإلى شطط في الوسائل قاد أحيانا إلى مجاهل تاهت بعيدا بالمقاصد.
بينها أن المناخ الذي يحيط بعملية ولادة تجري على الهواء مباشرة، على قارعة الطريق وفي منتصف النهار يصيب كل الأطراف بكل الأعراض التي تصاحب الانكشاف، ومنها الاضطراب والادعاء والإخفاء والتعمية.
وبينها أن نظم الحكم القائمة عجزت أن تؤسس لنفسها شرعية دستورية أو قانونية، ولم تعد سلطتها اختيارا وتفويضا بل إملاءً وقمعا، تعطلت إزاءه دواعي الرشد السياسي والاجتماعي وإدارة الأزمات، وذلك ساعد على الإساءة لمشهد التطور عندنا وإساءة إلى صورته.
ومع أنني أتردد كثيرا قبل أن أضيف أي مسؤولية إلى حساب غير المعنيين في الأصل بها، فلابد من القول، ودون حرج، أن العنصر الخارجي يلعب دورا شديد السلبية في منطقتنا من الجنوب، بالتحديد الشرق الأوسط.
فهناك في قلب هذه المنطقة ثلاثة دواعٍ للخطر أشير إليها باقتضاب لكي أتجنب تكرارا شائعا ومملا رغم صحته، وهي بالترتيب: الموقع الإستراتيي، وأهمية البترول حتى يظهر بديل له، وإسرائيل.
وهنا فمن الحق أن أضيف أن التفاعل بين عوار الشرعية الذي أصاب الدولة العربية الراهنة، مع ضغوط التطور في الداخل على النظم، مع دواعي الخطر من العناصر الخارجية، كل ذلك أدى إلى فجوات واسعة سمحت بالتدخل الدولي في الشأن الداخلي للمنطقة، على أنه لسوء الحظ أن بعض النفاذ الخارجي إلى المنطقة لم يكن دائما ضيفا ثقيلا دعا نفسه، وإنما وصل مدعواً مرغوباً فيه لمناورات السياسة الداخلية وتوازناتها المتصورة أو المتوهمة!
حضرات السيدات والسادة
إذا كنت قد وجهت بعض الملاحظات وفي لهجتها نبرة حدة، فإنني لم آت إلى هنا مكابرا ولا معايرا.
وإذا كنت في نفس الملاحظات قد اعترفت بالتقدير لضمائر حية أدت أمانتها عندكم، فإنني لم آت إلى هنا مادحا أو مهنئا.
وإذا كنت أخيرا قد لمست جانبا من الأوضاع الراهنة في أحوالنا، فإنني لم آت إلى هنا شاكيا أو محرضا.
لقد جئت إلى هنا لداعٍ رئيسي هو أن أطل على مشهد المحيط الحضاري الإنساني، قريبا من شاطئ المهنة التي تعنيكم وتعنينا، وجئت وورائي مؤسسة تحمل بمحض المصادفات اسمي، شاغلها خدمة الكفاءة المهنية لشباب الصحافيين العرب.
وقصارى ما أريده وذلك قصدي وهدفي، لا يخرج عن المشاركة معكم في بناء جسر على موقع من مواقع الحضارة الإنسانية الواحدة التي صبت فيه كل الأمم ما تجمع لديها من نتاج ثقافاتها مما يكون صالحا للجميع، وحقا للجميع، لأنه ملك الجميع.
وشكرا لكم.

٣٠‏/١٠‏/٢٠٠٧

إنتهي الدرس !... وأعدوا لهم ما استطعتم

إنتهي الدرس !... وأعدوا لهم ما استطعتم

لا نملك الا ان نعرض للحقائق مهما بدت مؤلمة، فالحقائق لا تستدعي الالم ، ولكنها تفرض استدعاء كل ملكات الامم التي تدافع عن نفسها وعن حقها في الوجود، لا يزيغ منها البصر فتري الاشياء وفق هوي او نزوع الي الهروب والاسترخاء، فتلك امم حكمت علي نفسها بالهوان ، ولا حق لها ان تسأل الآخرين أن يقبلوا بها بينهم إحسانا.

وما يجري من حولنا ينطق الحجر. فما بالنا والكلمات تخرج خرساء او يجري بها الحبر فوق الاوراق وكأنها آتية من كوكب آخر وليست هي سفر هذا الزمان وكل الازمنه إن كانت الذاكره لم تمح، وان كانت دلالات العقيده والثقافة والحضارة مازال لها مكان في العقول.

أمران لا حول للانسان فيهما ولا قوه، العمر والرزق، فعقيدتنا تلزمنا الايمان والتسليم بأنهما ملك للخالق عز وجل، يقع علي كاهلنا أن نعمر الارض، فهذه هي المهمة الإلهية التي انيطت ببني الانسان، وليس لنا أن نسفك الدماء أو ان ندع غيرنا يسفك الدماء، وليس لنا ان نسعي في الارض مفسدين ولا ان نقبل ان يسعي غيرنا بالافساد، مسئوليتنا التي سنحاسب عليها "أن نعد لهم ما استطعنا" ، ولم نكلف بما يتوازن وقوة العدوان، فقط أن "نعد ما استطعنا" .... وحكم علينا ان لا فرق بين عربي واعجمي الا بالتقوي ... افلا نتقي الله في امرنا؟

ما عاد ممكنا أن أن نخترع الفاظا تليق بدبلوماسية الحديث ... فالحقائق تقرع طبول الموت إن نحن صممنا آذاننا، واستمرأنا الصمت والهروب.

انتهي الدرس

رسم الرئيس الروسي بوتين صورة للوضع الراهن مع ايران " أنها حالة مجنون يمسك بموس حلاقة ويطيح به في الهواء بطول ذراعه ويرقص من حول ايران"، مؤكدا ان الصبر والتفاوض وليس الحصار والعمل العسكري هما طريق الحل.

وانتهت المباحاثات "البناءه" كما وصفت، بين خافير سولانا والوفد الايراني علي موعد بلقاء في نهاية نوفمبر، رغم ما اعلن ان سولانا سيقدم تقريرا في النصف الثاني من نوفمبر.

وانتهي الاسبوع بتصريح كونديليزا رايس "الايرانيون ليسوا دوله، ولا أظن أن سلوكهم سيتغير لمجرد الحديث معهم" واعلنت امريكا منفرده توسيع الحصار الاقتصادي وقال عنه المراقبون أنه الاكبر منذ وقائع اقتحام السفاره الامريكيه في طهران عام 1979.وتؤكد رايس انهم ذاهبون الي مجلس الامن قبل نهاية العام.

وكان كل من براون رئيس الوزراء البريطاني والرئيس الفرنسي ساركوزي، قد اسهما بتأكيدهما علي الخطر الايراني وتأييدهما لموقف حاسم مع ايران خلال استقبال كل منهم لاولمرت رئيس الوزراء الاسرائيلي.

ولكن المفاجأه جاءت من تسيبي ليفني التي نشرت عنها هآرتس " أن اولمرت يضخم من الخطر الايراني رغم أن شيئا لم يخرج الي الواقع بعد، وأنه يستخدم ذلك لجمع الاسرائيليين من حوله باللعب علي مخاوفهم" ،وتستكمل هآرتس أن ابراهام هاليفي رئيس الموساد السابق قال شيئا مشابها.

هذه التصريحات تعلن الانتقال الي مرحلة جديده سيغلب عليها الدعوه الي [ضرورات ضبط النفس]، كما كانت تصريحات الاسرائيليين قبل الغاره علي سوريا في 6 سبتمبر الماضي. وهي مرحلة بدأت باجراءات حصار منفرد من الولايات المتحده.

ومن ناحية اخري عادت الصنداي تيمس اللندنيه الي الحديث عن عمليات تقوم بها القوات الخاصه البريطانيه (SAS) مدعمه باستراليين وامريكان داخل ايران لمواجهة المتسللين الذين يجلبون السلاح والصواريخ المضاده للدروع والمضاده للطائرات "للمتمردين" العراقيين، وان اشتباكات متعدده تمت وان عددا من المهربين قد قتل ، وان المدفعيه الايرانيه قصفت داخل العراق. وأن التقارير الاستخباراتيه متواصله من قوات خاصه امريكيه في داخل ايران ومهمتها الاعداد للهجوم الامريكي المحتمل.

انتهي الدرس النظري وتبدأ المهام العملياتيه، بدأت كرة الثلج في التدحرج من اعلي الجبل الذي لم يظهر منه غير قمته.

هذه الاحداث علي الحدود الغربيه الايرانيه مع العراق والتي يبلغ طولها 1.458 كيلومترا، من اجمالي الحدود الايرانيه البريه والتي تبلغ 5.440 كيلومترا. وبنظرة علي الخريطه نجد ان الوجود الامريكي في شرق ايران (باكستان وافغانستان واوزباكستان) لا يقل عن الوجود في الغرب ولاسرائيل كذلك وجود متقدم في كل من تركمانستان واذربيجان بالاضافه الي قاعدة العمل الاسرائيليه بشمال العراق بالتعاون مع قوات البشمرجه والتي وصفت من المراقبين الغربيين انها تقوم بمهام داخل ايران شرقا وسوريا غربا فضلا عن مهامها في الداخل العراقي.

ومثل هذه العمليات وارد قبل ساعة الصفر، ولكن هل هي حركة في اتجاه واحد ام أن العمليات متبادله ؟، ماذا لو أن القوات الايرانيه كمنت وتربصت بالقوات والعناصر المتسلله ، شمالا او جنوبا، وأسرت او أسرت وقتلت... ما موقف اسرائيل وبريطانيا واستراليا؟؟ هل حينها سيتم الحديث عن خطأ ؟ أم سينفجر الموقف ؟

ماذا لو تم هجوم للمقاومه العراقيه علي المنطقه الخضراء ببغداد او القاعده البريطانيه بالبصره .. هل سينفجر الموقف؟

الموقف ليس في حاجة لمفجرات خارجيه او حوادث عارضه كواقعة قتل المالطي للحمّار بمصر واعقبها الاحتلال البريطاني لمصر، الامر الذي يجعل يد ايران مطلقه في التعامل مع قوات الاحتلال في العراق (قاعدة الهجوم المعادي لها) بالمثل ، تعبر الي الغرب وتهاجم مصادر العدوان عليها ... أليس هذا هو حق الدفاع عن النفس او في حده الادني المعامله بالمثل ؟ ألم تصل الايدي الايرانيه الي قطع الاسطول الامريكي بالخليج ووضعت علامات بطلاء الرش وكأنها تكتب : الفدائيون مروا من هنا ! ثم عادت الي قواعدها.

امريكا تتربص ، هي لا تنتظر قرار مجلس الامن، او اجماع دولي ، ولكن كما قالوا تنتظرعملا استفزازيا ايرانيا يترتب عليه انفجار الموقف، بل يذهبون الي ان عدم الانتهاء من الاستحقاق الرئاسي اللبناني قد يؤدي الي تفجير المنطقه !!!

الاعتدال ... والفريضة الغائبه

ما يجري في الشمال العراقي يتصل بكل ما يجري في الصومال والسودان وفلسطين ولبنان وما جري في سوريا يتصل بما سيجري في ايران.

فتح الاكراد شمال العراق امام وجود اسرائيلي فاعل ،واذا كان الاتصال الكردي الاسرائيلي لم ينقطع منذ الملا مصطفي البرزاني الي يومنا هذا، الا انه كان اتصالا مع جماعات مسلحه تناوئ النظام العراقي وليس حكومة اقليم اقتطعت جزءا من العراق للقومية الكرديه واعلنته اقليما مستقلا، واكدت التقارير ان هناك مجموعات مقاتله قام الاسرائيليون بتدريبها من البشمرجه وحددت لها مهام في اطار اشعال الفتنه الداخليه في العراق ، واستمرارها. وليس هناك فصل بين الاكراد ومشروعهم في الدول الاربع (العراق – تركيا ـ ايران ـ سوريا) ، وعليه فان المنهج في التعامل مع اسرائيل والرعايه الامريكيه يمتد ليشمل جغرافيا الوجود الكردي، وقد لا يمتد ليشمل الاكراد البشر ، ولكنه هو اختيار القيادات الكرديه عبر تاريخها. وهو امر يلقي بظلاله حول المواجهة التركيه الكرديه، وحسم كوندوليزا رايس بضرورة ان ترفع تركيا يدها عن حزب العمال الكردي وان امريكا المسئوله عن التعامل مع هذه القضيه وحلها، هو الاتجاه للتفتيت حتي لتركيا رغم معاهدة التحالف الاسترتيجي مع اسرائيل (فبراير 1996 في عهد اربكان)، ومعاهدتها مع اذربيجان التي يتحكم يهود بحر الخرز في مقدراتها (يوليو 1996) ووصفت المعاهدتان في حينهما بالحلف الثلاثي برعاية ولاهداف امريكيه.

ويتكرر المشهد في جنوب السودان، وكأن إغتيال جارنج تم لدعم الانفصاليين في الجنوب ، وهناك في الجنوب اسرائيل ايضا، وهي في دارفور، بل ان اسرائيل الاستيطانيه تقبل بلاجئين من دارفور عبر الحدود المصريه.

ونقلت القوات البريطانيه الخاصه (SAS) خبراتها في التعامل مع الجيش الجمهوري الايرلندي الي العراق بما فيها قنابل الطريق [الانجلوـ امريكيه] والتي صنعت خصيصا لدعم احد عملاء بريطانيا وسط الجيش الجمهوري الايرلندي، وتشير التقارير أن مجموعة [ بحث القوه ] (FRU) التي كانت تتعامل مع الجيش الجمهوري الايرلندي إنتقلت الي العراق وبنفس التكتيكات تحت اسم [ وحدة الدعم المشترك ] (JSU) ،ومنهج التعامل يقوم علي قاعدة فرق تسد بتجنيد العملاء من الاطراف المختلفه للحصول علي معلومات لمواجهة المقاومه ، وفي الوقت ذاته دعم العملاء عسكريا بذات منهج التعاملات السابقه مع الجيش الايرلندي وكوسوفو والبانيا.، ويأسف البريطانيون لان هذا المنهج لم يصلح في افغانستان !

وامتداد المنهج الاسرائيلي البريطاني الي لبنان ليس بمستبعد، وكشفه ليست مهمة التقارير الصحفيه، بل انها تقع علي كاهل الاجهزة الامنيه في لبنان، والاجهزة الامنيه في يد حكومة السنيوره، وهي عبء آخر علي امكانية مقاومة هذا التكتيك، لان كشفه يحرمها من مبررات ترتكز عليها لاستمرار وجودها خارج الشرعية الدستوريه التي سقطت عنها. وهذا يوجب اعادة قراءة تصريح نصر الله حول الدور الاسرائيلي في الاغتيالات اللبنانيه، ليس من قبيل نظرية المؤامره ولكن للتعامل مع حقائق الواقع والامساك بها.

قومية كرديه تعيد رسم حدود الجغرافيا لايجاد وطن لهم ، هي في الوقت ذاته قاعدة اسرائيليه امريكيه، وحكومة لبنانيه ترعي القوات الاسرائيليه في مرجعيون اثناء العمليات العسكريه في الصيف الماضي ، هي ايضا قاعدة امريكيه اسرائيليه، وحركة الانفصال في الجنوب السوداني وفي دارفور هي قواعد اسرائيليه امريكيه، الحصار يكاد يكتمل ، التفتيت خطوته الاولي والسيطره علي مصر وايران هما جائزته الكبري.

تقول كوندوليزا رايس في جلسة الاستماع الاخيره في الكونجرس أن "خطة السلام في الشرق الاوسط في خطر، وبدون ان نعطي للقيادات الفلسطينيه المعتدله تأكيدا جديا بحل الدولتين في المؤتمر القادم ليقدموه لشعبهم فإن نافذة الحل ستغلق" ،ويقر د.تال بيكر مستشار ليفيني والعضو الدائم في الوفد الاسرائيلي المفاوض للفلسطينيين "بتشاؤمه من الوصول الي حل دائم".

تقسم امريكا العرب الي معتدلين، ومتطرفين، والامر لدي المحافظون الجدد وحتي الديمقراطيين، ليس الحق العربي، ولكنه موقف مع المعتدلين في مواجهة المتطرفين.

وصار الاعتدال العربي مرادفا للتعايش والقبول بالرؤيه الامريكيه للمنطقه، واي فرضية تقوم علي حق او تسعي الي استقلال القرار عن الرؤيه الامريكيه هي تطرف.

هو صراع ارادات، قبل العرب به ام لم يقبلوا، وقياسا علي القوميه الكرديه وخططها وادواتها، اليس من الاولي بنا أن نستدعي فريضة الجهاد ـ المقاومه لنعطي للقومية العربيه وجودا يحقق اهدافها، أم ان العرب يرون ان الثوابت العربيه شئ من الماضي لا مكان له في زمن العولمه، وبالتالي فالخصخصه واجبة ، وتصبح الارض والتاريخ معروضه للمستثمرين.

قالت زرقاء اليمامه لقومها انها تري الشجر يتحرك علي مسافة مسيرة لايام ثلاث، ولم يصدقوها وصموا آذانهم عنها، فاستيقظوا والعدو فوق رؤوسهم يقتل ويسفك الدماء. وكأنني بها قد صرخت فيهم :

"اليس منكم رجل رشيد".

مصطفي الغزاوي

نشرت بجريدة الشرق القطريه 30/10/2007

٢٣‏/١٠‏/٢٠٠٧

اللحظات الاخيره .. قزوين اطلق عش الدبابير

اللحظات الاخيره .. قزوين اطلق عش الدبابير

الوقائع التي جرت الايام الماضية والتي بدأت بانعقاد مؤتمر الدول المطله علي بحر قزوين فتحت الافق امام سؤال يفرض نفسه ، هل ماجري كان دعما للحل الدبلوماسي لقضية "ايران النوويه" ام انه دفع الي التعجيل بالحرب؟

التقدير المباشر لانعقاد المؤتمر انه اضافة الي رصيد الموقف الدبلوماسي الايراني، وهو في حد ذاته خروج عن المألوف الروسي بحصر التعامل مع المشاكل في اطار وزراء الخارجيه او في ساحة الامم المتحده. المؤتمر هو الثاني ، ولكن التوقيت والمكان أضفا عليه ابعادا استراتيجيه جديده، وبدا الموقف الروسي انه يتضمن رد علي المشروع الامريكي لنشر حائط الصواريخ المضاده في اوروبا الشرقيه، وهو الموضوع الذي زار من اجله وزيرا الخارجيه والدفاع الامريكيين موسكو لبحث توافق روسي امريكي علي سلة مقترحات امريكيه مؤداها، لنقم حائط الصواريخ ولنتعاون في تبادل المعلومات ، ولنحدد آلية للمشاركه في اتخاذ القرار العملياتي للاجزاء التي يتفق عليها لطمئنة روسيا انها غير موجهة اليها، ولكنها موجهة بالاصل الي الدول المارقه (ايران وكوريا الشماليه .. حتي الآن).

وللدول المحيطه ببحر قزوين قضاياها من امن وتعاون اقتصادي ومشروعات مشتركه،وهي منطقة مشتعله، وليس من السهل ان نعتبرها منطقة مستقره سياسيا وامنيا، وعلي تخومها تدور صراعات توطيد الامبراطوريه الامريكيه والمناخ الذي عقد فيه (تصاعد المواجهة الامريكيه الاسرائيليه مع ايران) ،القي بظلاله علي المؤتمر، وهو ماجعل وجود بوتين ومن ثم تصريحاته تعيد الي الاذهان فترة الحرب البارده، ولكنها في حدها الادني اعلنت عن ظهور مختلف لروسيا عما كان.

في الطريق الي طهران اعلن بوتين في المانيا حيث كان يلتقي المستشاره الالمانيه ميركل ان " صدقوني .. إنهم (الايرانيون) ليسوا خائفين "، " وان التعامل الدبلوماسي مع المشكله هو الطريق الصحيح"، وليؤكد ايضا انه لا يخشي التهديد بامكانية اغتياله في طهران أي انه ايضا "لا يخاف!!" ، ورجل كبوتين من المؤكد انه حمل معه تصوره الخاص لاختراق الازمه دبلوماسيا. وما تناقلته وكالة الانباء الايرانيه عن لقاء بوتين مع القائد الاعلي خامنئي وقول الاخير ردا علي حديث بوتين "سوف ندرس ونأخذ في الاعتبار ملاحظاتكم ومقترحاتكم" ولم يتركها تمضي دون ان يعرج علي الموقف الامريكي" واشنطن ضد اي امة تقاوم اهتماماتها غير الشرعيه وتريد العمل كأمة مستقله ، والامم لا تهزمها مثل هذه السياسات" ويكمل " بقدر ما تستفيد روسيا من وجود ايران المستقله فإن وجود روسيا القويه يفيد طهران".

ويعلن بوتين مع المجتمعين رفضهم لاستخدام اراضيهم للهجوم علي ايران ، ورفضهم للحل العسكري ، ويؤكد حق ايران في استخدامات الطاقه النوويه السلميه ، وان روسيا ستستكمل بناء المفاعل الايراني في بوشهر.

وقبل ان يغادر بوتين طهران كان الرئيس الامريكي يتحدث عن الحرب العالميه الثالثه سواء اذا لم توقف طهران التخصيب ، او اذا هي انتجت القنبله، وليبادر البيت الابيض للتخفيف من أثر التصريح ، معيدا الي الاذهان تصريح بوش بالحرب الصليبيه في اعقاب الحادي عشر من سبتمبر. وتتداعي الوقائع والتصريحات متلاحقة، وتستخدم تعبير "اللحظه الاخيره" وكأن اللحظات حتي اتخاذ قرار بدأ العمليات العسكريه صارت معدوده وليس هناك فرصة لمزيد من الوقت.

واكب انعقاد المؤتمر زيارة كوندليزا رايس الي المنطقه للتحضير للقاء التطبيع الفلسطيني الاسرائيلي ، وتعلن انها "اللحظه المواتيه لاغتنام الفرصه" ؟؟ ولم توضح اية فرصة تراها والطرفان المباشران لم يتفقا علي شئ ؟؟؟ ، ولكنها تعود الي واشنطن بأن مؤتمر بوش لن يعدوا لقاءا "للتصوير"، فقضايا الصراع العربي الصهيوني ليست من قضايا اللحظات حتي وان كان المنهج الامريكي نسيان التاريخ ، ويدور الحديث عن التأجيل ؟؟؟ وأن عملية السلام في الشرق الاوسط ـ كما يطلقون عليها ـ في طريقها للمجهول. ويصل بالمعلقين الغربيين القول بأنه لا حل للدولتين في هذا العقد وأن العقد القادم يحمل احتمالات الحرب.

وفي واشنطن كان اللقاء بين وزيري الدفاع الامريكي والاسرائيلي ، وقضايا البحث المعلنه هي الصواريخ المضاده للصواريخ " آرو 2 " لمواجهة الصواريخ بعيدة المدي،و"القبه الحديديه" لمواجهة صواريخ حزب الله و المقاومه الفلسطينيه ، ومثل هذه المسائل لا تتحقق بمجرد الاجتماع من اجلها ولكنها بالتأكيد كانت محل الانتاج قبل هذا اللقاء، فهل هذا تخطيط مستقبلي ام انه استكمال الاعداد العسكري في اللحظات الاخيره؟.

وتتحرك تركيا لتضرب شمال العراق، وترجوها امريكا التريث، ويتخذ البرلمان التركي قراره بدخول القوات التركيه الاراضي العراقيه عندما تري الحكومه وجوب ذلك.

ويلقي لبنان نصيبه ... ففي الوقت الذي يعلن فيه عن عملية لتبادل اسري وجثث بين حزب الله واسرائيل عبر الوساطات الالمانيه وممثل الامم المتحده، وتتحدث عنه الصحف العبريه انه انتصار جديد لحزب الله، تكشف جريدة "السفير" اللبنانيه اسرار زيارة وكيل وزارة الدفاع الامريكيه للشؤون السياسيه علي رأس وفد من البنتاجون ، ومعه مشروع معاهدة للشراكه الاستراتيجيه واقامة قواعد بريه وبحريه وجويه بلبنان لمواجهة الوجود الروسي في سوريا. في نفس الوقت الذي يجتمع فيه مستشار الامن القومي الامريكي بوزيرة من "14 آذار" في واشنطن، حيث وصل اليها وليد جنبلاط، وعاد منها سعد الحريري.

وفور انتهاء مؤتمر قزوين ووصول بوتين الي الكرملين يصل اولمرت رئيس وزراء اسرائيل الي موسكو للقاء وصف بانه "لقاء الفرصه الاخيره واللحظات الاخيره"،ويعقد لقاءا منفردا مع بوتين لثلاث ساعات، اعلن قبل وصوله ان جدول اعمال اللقاء من ثلاث نقاط ايران ـ التطورات الفلسطينيه الاسرائيليه ـ التقدم بالمنطقه ؟؟؟ ، وبعد انتهاء اللقاء تحدثت الصحافه العبريه ان اولمرت وضع امام بوتين معلومات حول منشآت ايرانيه سريه للمشروع النووي، وأن اسرائيل تحتفظ بحقها في اتخاذ الاجراءات ـ واطلع بوتين عليها ـ المناسبه لمنع ايران من استكمال مشروعها النووي. ويخرج اولمرت من اللقاء ليعلن انه وجد الرئيس الروسي يعلم ادق التفاصيل؟!

وفي افغانستان صدرتصريح عن قائد قوات الناتو في افغانستان "أن ايران تمد المتمردين باسلحه مضاده للدروع".

وبدأت تتسرب اخبار عن ان لسوريا نشاطا نووي ،بدأت من امريكا واكدت اسرائيل انها تملك أدله ماديه عليها وصور للمنشآت، ويبدأ الحديث عن دور لوكالة الطاقه الذريه، للاستقصاء ... مجرد بداية لتكرار سيناريوهات التفتيش والذهاب الي مجلس الامن.

وفي نهاية المشهد ويوم 20 اكتوبر الماضي يعقد وزير الدفاع الامريكي روبرت جيتس ورئيس هيئة الاركان المشتركه الجديد الادميرال ماك مولن اول مؤتمر مشترك لهما بعد تولي الاخير مهام منصبه في اول الشهر نفسه ليعمد كل ما سبق ويعلن ماك مولن "أن امريكا تملك الامكانات لمهاجمة ايران علي الرغم من الحروب الاخري" ويضيف " أننا الآن نركز علي الجهد الدبلوماسي لمنع ايران من مشروعها النووي ودعمها للمتمردين في العراق". ويعلن روبرت جيتس "أن اقتناء ايران للاسلحه النوويه سيخلق سباقا للتسلح في الشرق الاوسط" ويكمل مخاوفه التي تقترب من الحقيقه "يبدو لي أن احتمال وصول المواد النوويه الي ايدي الارهابيين تزايد فعليا".

هذه وقائع الايام الثمانيه الماضيه والتي تزامنت مع انعقاد المؤتمر. هي ليست صورة جديده من الحرب البارده، فلن يتكرر موقف بولجانين والتهديد السوفييتي باستخدام الاسلحه الذريه اثناء العدوان الثلاثي علي مصر، ولا موقف كنيدي فيما عرف بأزمة الصواريخ السوفييتيه في كوبا وتهديده بتدميرها... فليست هناك القوتان الاعظم ولكنها قوة واحده والاخري تجتهد لاسترداد جزء من نفوذها او في الحد الادني منع الهيمنه الامريكيه علي المؤخره الجنوبيه لها. واصبح السؤال في الاعلام الغربي " كيف نستطيع استقطاب روسيا الي موقف ضد ايران؟" .. لتصبح روسيا هدفا للصراع وليست طرفا فيه!!

وعلي الجانب الايراني خرجت التصريحات العسكريه ، أن 11 الف صاروخ ستنطلق ردا علي اي هجوم علي ايران وستستهدف القواعد الامريكيه واسرائيل. وتعلن استقالة علي لاريجاني المسؤول عن الملف الايراني عشية لقاءه المرتقب مع خافير سولانا المسئول عن تقديم تقريرا قبل منتصف نوفمبر القادم حول مدي استجابة ايران لمطلب وقف التخصيب ، وتخرج الصحافه الاسرائيليه لتعلن سيطرة الجناح الراديكالي علي مائدة المفاوضات، ويبقي هل قبول استقاله لاريجاني دلالة قوة اعقبت زيارة بوتين مما ادي الي تغيير لهجة التفاوض أم انها مجرد ناتج تفاعلات داخليه؟

كل الدلالات تؤكد انها بالفعل اللحظات الاخيره ، بين امريكا واسرائيل من جهة وايران في الجهة المقابله.

وعلي الجانب العربي، نري ان الخطر الذي اقترب من لبنان وسوريا ، يحاول من جديد اعادة التوجه الي السعوديه، ويعود الحديث عن انه اذا كانت ايران تمد المتمردين بالصواريخ المضاده للدروع، فإن السعوديه تمد حركة التمرد بالرجال (45% من السعوديه، 15% من سوريا ولبنان ، 10% من شمال افريقيا)، وأن تسليم السعوديه سلاحا متطورا طبقا للصفقات الجاريه يحمل مخاطرة احتمال وصوله الي ايدي (الارهابيين). هل وصلت التقديرات هذه للسعوديه؟ وهل يمكنها ان تشارك في مؤتمر للدول المطله علي الخليج وبحضور ايران لدعم الامن بينها ولمصالحها المباشره؟

الصراع الآن علي لبنان ، لاقامة القواعد الامريكيه مع حكومة الوكلاء ، وعلي روسيا للاستقطاب الي موقف مدفوع القيمة بسلة التوافق علي نشر الصواريخ في شرق اوروبا واتفاقية القوات التقليديه في اوروبا والموقف حول كوسوفو، علي ان تقف ضد امتلاك ايران مشروعها الخاص للتخصيب، أما سوريا والسعوديه فعلي قائمة الانتظار.

المحافظون الجدد أصحاب مشروع القرن الامبراطوري الامريكي لا يملكون غير بديل الحرب، والتحركات لم تكن للحيلوله دون وقوع صدام عسكري، وفي اغلبها كانت تحضيرات اللحظات الاخيره قبل صدور امر القتال !! ... فهل ماجري في طهران كان دعما للحل الدبلوماسي لقضية "ايران النوويه" ام انه دفع الي التعجيل بالحرب؟

مصطفي الغزاوي

نشر بجريدة الشرق القطريه 23/10/2007

حول التهجير العربي للفلسطينيين إلى البرازيل

حول التهجير العربي للفلسطينيين إلى البرازيل

بقلم : علي عبدالعال

إنها حكاية مأساة تتجدد وفصل آخر من مشاهد الآلام، يوم أن ضاقت بلاد العرب ــ بما رحبت ــ عن مجموعة من أبنائهم المستضعفين ليجري تهجيرهم إلى (البرازيل) في أقصى جنوب غرب الأرض.. مشهد عار جرى تحت سمع وبصر الأمجاد ستطارد أعناقهم لعناته، فكأن أساطين النظام الرسمي العربي أقروا سراً فيما بينهم نفض أيديهم من فلسطين ــ هذه اللقيطة وأبنائها ــ إلى الأبد.

تقول حيثيات القضية : إن دول الجامعة العربية مجتمعة ــ ويا ليتها لم تجتمع ــ عجزت عن إيجاد مأوى لـ (117) لاجيء فلسطيني خرجوا من العراق فراراً بأنفسهم (نساء وأطفال وشيوخ) قبل أن تطالهم ميليشيا الذبح الشيعية هناك.. وخلال أربع سنوات لم يجدوا سوى صحراء العراء العربية ملاذاً لهم، على الحدود الأردنية مع العراق، في مخيمات تعرضوا فيها لأسوأ أنواع الحياة. أطفالهم دون مدارس، ومرضاهم دون مستشفيات، وجوعهم لا طعام له، غير الخوف والتشريد والتهديد بالقتل، حتى رقت لهم قلوب البرازيليين فعرضوا استضافتهم لـ (أسباب إنسانية) ــ حسبما قيل ــ وبعد تدخل مفوضية شؤون اللاجئين.

جاءت عملية التهجير لهؤلاء اللاجئين بعد رفض عربي رسمي لاستقبالهم، وإن كان رفض غير معلن، إذ لم تتقدم أي من الدول الـ (21) بعرض استضافتهم على أراضيها، بما في ذلك الأردن التي كانوا موجودين في صحرائها، باستثناء السودان التي رفض طلبها لأسباب لم تعلم.

وربما جاء هذا الموقف العربي متطابقاً مع الأهداف الصهيونية بعيدة المدى، والتي دائماً ما يعبر عنها مسئولون إسرائيليون بأن إسرائيل ــ التي رفضت عودتهم إلى الضفة ــ لن تسمح بعودة لاجىء فلسطيني واحد ضمن أي اتفاق. وهو نفس المسعى لدى الإدارة الأمريكية التي تحاول من وقت لآخر تمرير نهج تصفية القضية الفلسطينية، وعلى رأسها حق العودة، لتكتمل بذلك الدائرة المأساوية على المشردين من أبناء هذا الشعب.

ولما لم يجد هؤلاء المستضعفين بلداً واحداً يستقبلهم، وأغلق العرب الأبواب في وجوههم، هاربين كالعادة أمام معاناتهم، جاءهم الفرج من أقصى أصقاع الأرض، من البرازيل. إذ قال الأمين العام لوزارة العدل، لويز باولو باريتو : إن "البرازيليين فتحوا أذرعتهم مرحبين"، مضيفاً: "سيتمتع الفلسطينيون بنفس حقوق المواطنة التي يتمتع بها البرازيليون .. وسيستلمون هويات شخصية وجوازات سفر، كما سيحصلون على مساعدات مالية شهرية لمدة عامين حتى يتمكنوا من إعالة أنفسهم".

حيث تخصص وزارة العدل البرازيلية ميزانية سنوية تصل إلى 365,000 دولار لمساعدة اللاجئين في البلاد، ويتم تحويل هذه الأموال إلى مؤسسة "كريتاس البرازيل" وهي منظمة غير حكومية إلى جانب مؤسسة "أنتونيو فيرا". وأوضح باريتو أن الفلسطينيين سيستقرون في ولايتي (ساو باولو) و(ريو جراند دو سيل) جنوب البرازيل، مضيفاً أنهم "سيتمكنون من المحافظة على تقاليدهم، وارتداء ملابسهم التقليدية، وتناول طعامهم المفضل، وممارسة معتقداتهم الدينية دون الخوف من التعرض لاعتداء أو انتقام".

وكان مئات من هؤلاء اللاجئين قد تم ترحيلهم إلى كندا والسويد ونيوزيلندا. وهناك أيضاً أعداد كبيرة من الفلسطينيين تصل بشكل منتظم إلى الدول الأوروبية وبخاصة الإسكندنافية منها، حيث تقدم تسهيلات كبيرة لمنح اللجوء فقط للفلسطينيين القادمين من غزة والضفة. وهؤلاء على أية حال قد يكونون أفضل حالاً من إخوان لهم ما يزالون عالقين على الحدود العراقية السورية في ظروف بغاية الصعوبة لا يجدون منقذاً أو معيناً.

وليس بعيداً كثيراً عن هذا الواقع، نقلت وكالة "رويترز" عن فلسطينيين تقطعت بهم السبل في مصر، أن حوالي 200 منهم لا يستطيعون الوصول إلى قطاع غزة بسبب إغلاق معبر رفح، نظموا مسيرة احتجاج. وقال مصدر أمني : "المشاركون في المسيرة رفعوا وثائق السفر الفلسطينية الخاصة بهم ووضعوا أطفالهم فوق ظهورهم". وأضاف أن عددا من السيدات والأطفال والمرضى وكبار السن شاركوا في المسيرة التي مرت بشوارع مدينة العريش. وقال الفلسطيني (إيهاب أبو كويك) العائد من السعودية إلى غزة بعد انتهاء عمله هناك : "أنا عالق منذ أربعة أشهر. أطفالي لم يتمكنوا من الالتحاق بالدارسة هذا العام.. ما زالوا عالقين معي". وحمل المحتجون لافتات تطالب بالسماح لهم بالعودة إلى قطاع غزة كتب عليها "أعيدونا إلى أهالينا وأولادنا" و"أطفالنا يولدون ويموتون بعيدا عن أهاليهم".

وإذا كان هذا شأن الواقع على الساحة العربية وفي ظل الكرم البرازيلي غير المحدود، تنتاب الكثير من عقلاء الأمة المخاوف من أن تكون العملية جزء من مؤامرة تهدف لتشتيت الشعب الفلسطيني في بقاع من العالم البعيد (بعيد عن أوطانه وبعيد عن عقيدته) دون أن يكون لذلك علاقة بمعاناته، بل تأتي العملية ضمن مساعي لإنهاء قضيته الكبرى وإماتتها في نفوس أصحابها، بعد أن تفصلهم آلاف الكيلومترات عن الوطن المحتل.

ولعل منشأ الشكوك والمخاوف على حقوق وثوابت الشعب الفلسطيني يأتي مع استبعاد أن تكون دولة مثل البرازيل ــ لا تمت إلى العروبة بأي صلة، وتبعد عن المنطقة العربية بأكثر من عشرة آلاف ميل ــ أحن على الفلسطينيين من أمتهم وأوطانهم وأبناء عقيدتهم.

وتتحدث تقارير بشأن صفقة واتفاقات عقدت بين الحكومة الأردنية ــ التي لم تسمح للاجئين بدخول أراضيها طيلة سنوات المعاناة ــ ودول أجنبية من أجل ترحليهم إلى حيث تلك الدول الخارجة جغرافياً عن النطاق العربي، ومن ثم العمل على توطينهم هناك ضمن مشاريع أمريكية وغربية وإسرائيلية يتواطأ فيها الرسميون العرب، وهو ما سيمثل ظاهرة وسابقة خطيرة بحق القضية الفلسطينية.

وإن لم يكن ذلك كذلك، فما هو التفسير المعقول لنقل وترحيل اللاجئين الفلسطينيين، العالقين على الحدود العربية، إلى دول أوروبا وكندا والبرازيل وتشيلي والهند وغيرها؟؟؟؟.

على العموم، ها هم الفلسطينيون العرب يغادرون ــ لست أدري بخيامهم أو بدونها ــ إلى البرازيل، منبوذون من قبل إخوانهم في العروبة والإسلام.. يهاجرون بلا وداع، وقد يستقبلهم هناك أناس لا يتحدثون لغتهم، ولا يعرفون عقيدتهم. فهل سيتبادلون التهاني بالرحيل إلى هذا العالم المجهول؟؟ تاركين خلفهم أحلاماً مكسّرة، هجرات وجراح، وطيف الوطن الأم (فلسطين) الذي اقتُلعوا منه. "فيا أعراب هذا العصر ودعوهم بأعلام مبللة بالدموع، لأن أربعة عشر مليون كم2 لم تسعهم".

وكأنه كتب على أهل فلسطين ألا ينعموا باستقرار أبد الدهر ليس في وطنهم وحسب بل وحتى في مخيمات الشتات، ومثلما كانت مصيبتهم القديمة في فلسطين أنهم (عرب) كانت هي نفسها المصيبة في عراق ما بعد الغزو.

لست أدري ــ حقيقة ــ كيف سيقرأ العرب تاريخهم حينما يخبر مدونوه أن (الأمجاد) عجزوا عن إيواء (117) مستضعف فلسطيني ــ مهندسون وأطباء وأكاديميون ــ حتى عطف عليهم البرازيليون فآووهم إلى بلادهم، حينها حتماً سيتساءلون بلا مجيب، أين الجامعة العربية، وأين (آل سعود) و(آل طلال) و(آل مبارك) و(آل الأسد) و(آل كذا) و(آل كذا)؟؟؟؟؟. لا شك يتحمل هؤلاء الحكام وحدهم غير قليل من مسؤولية العار الذي دنسوا به التاريخ، أو من يدري فلربما لم يخبرهم أحد.

كتب الصحافي الفلسطيني نضال حمد، معلقاً يقول: إن الطفل الفلسطيني الذي عاش الويلات لن ينسى ولن يغفر.. وسيبقى يتذكر أن هناك 21 دولة عربية عجزت كلها عن استقباله ومنحه ملاذاً آمناً. ويتساءل اللاجيء الفلسطيني المثقف لدى الدنمارك : هل سيكون من حق هذا الطفل أن يبصق في وجوه من أعاقوا تطوره ونموه الطبيعي لمدة أربع سنوات أم لا؟؟ نعم سيكون من حقه البصق على كل الذين تآمروا عليه وتركوه عرضة للضياع والعذاب والقهر والويلات. وسوف يعمل كل ما بوسعه ليثبت للعالم الذي تخلى عنه في أحلك الظروف انه هو العربي وهم العاربة، وأنه هو الذي يدافع عن عروبته وهم الذين يبيعونها في سوق النخاسة الأمريكي الصهيوني.