١٥‏/١٢‏/٢٠١٠

مصر مستقبل التغيير "4"

مصر مستقبل التغيير "4"

"اللجنه الوطنيه و المؤسسه العسكريه"، يمكن أن يكون عنوان هذا المقالٍ، فالسعي الدائم للبحث في "ما العمل؟" وصل إلي نقطتين أقد أبحث فيلبحث في "ما العمل؟" يساسيتين، من الاهميه عدم تركهما للظنونأو الاحتمالات، خاصة وأن الكثيرين من المهتمين بالشأن العام يقرأون بطريقة "التاك أواي"، ليست وجبه تشبع من جوع، وأيضا غير مأمونه صحيا. ويضعون من حول العقول سياجا من الشكوك يحول بينهم وبين التفاعل مع أفكارا مطروحة للمناقشه.

ذلك فضلا عن أننا مستغرقين في هذا الحوار، بينما تشتعل الأرض العربيه من حولنا وتتفجر في مشاهد اللحظات الاخيره والغير قابله للتكرار، في العراق وقد أصابته ويكي ليكس بوثائق كاشفه، الي لبنان الذي تكاد تنفجر فيه حالة الوفاق الداخلي بينما اسرائيل تتربص، الي فلسطين وأبو مازن قد وضع مجمل القضيه الفلسطينيه علي المذبح الامريكي ويرقص رقصة الهنود الحمر من حولها، الي سودان التقسيم والنكبة الأخيره التي يمكن أن تودي بالوجود العربي ذاته، الفوضي الخلاقة تؤتي أكلها، لذلك ليس من الحكمه أن تطلق علينا نيران القتل من كل الجبهات، ونظل نكتب في جدل عقيم حول الحق والخير والجمال، بل الواجب الإرتقاء الي مستوي التحدي أو الصمت، وحينها سيكون صمت القبور.

النقطه الاولي " قيادة العمل" ذاته، وهي خطوة جوهريه في تحقيق مخطط العمل والحشد والتوعيه والقدره علي إتخاذ القرار في الوقت المناسب في مسيرة حركة التغيير، مما يعني وجوب توافر خصائص القياده والمعرفه في مكوناتها وليس مجرد الحضور الجماهيري أو الاهتمام السياسي، وهو أمر يقوم علي الانتقاء والاعداد ولا يقوم علي التداعي بالصدفه او بظروف عابره.

وقد أضفي الوعي باتساع المهمه علي المستوي الوطني ضرورة الدخول الي تكوين جديد للجنة القياده يضيف الي الاشخاص مؤسسات مجتمعيه، تعتبر مراكز بحث وتفكير كالمركز القومي للبحوث الاجتماعيه ومركز الاهرام للدراسات الاستراتيجيه، او مؤسسات رقابيه كالجهاز المركزي للمحاسبات، أو مؤسسات معلوماتيه كالمركز القومي للمعلومات ودعم القرار، أو مؤسسة علميه أصبح استدعاؤ أو مؤسسة علميه أصبح استدعاءرات الافراد قبولا او رفضا، هي تحديات تفرض نفسها، وتستدعي أعلي علوم العسكريه، فالغد يجمل من التحدياتها للحوار مدخلا طبيعيا لدور هو قائم بالفعل وهي أكاديمية ناصر للعلوم العسكريه، فالغد يحمل من التحديات ما لا يمكنه الاعتماد علي خيارات الافراد قبولا او رفضا، هي تحديات تفرض نفسها، وتستدعي أعلي حالات اليقظه.

والنقطه الثانيه هي "المؤسسه العسكريه"، وتكاد تكون المؤسسه العسكريه هي القوة المسكوت عنها، والتي أستدعيت الي دائرة الضوء في معرض المكاشفه والمصارحه في الحديث عن التغيير، ومن كتب عن التغيير في مصر ربط بين الاتجاه الي تحقيقه سلميا، وبين الدعوه لحضور المؤسسه العسكريه بموقف يؤمن عملية التغيير ويحميها ان تنحرف بأهدافها في لحظات لا يتحمل المجتمع أي مغامره بنفس قدر فقدان القدره علي انتظار التغيير بلا حدود. إتجه الي هذا الاستاذ محمد حسنين هيكل عندما تحدث عن مشروع أمناء الدستور، وانتهينا في المقال السابق الي تصور بدور جوهري عرض له الدكتور عمرو الشوبكي في حديثه عن القوه الثالثه، وذهب أبعد من التأمين الي الحضور المادي بشخصية "سوار الذهب المصري". وبين الاقتراحين تعرض البعض سواء برسائل مباشره الي المؤسسه العسكريه تحريضا لدور يحول دون التوريث، وفقط، أو بإثارة أسئلة والاجابة عنها تائهة، وكأنه حديث عن مجهول لم يجري التعامل معه ولا ندرك مكوناته.

عملية التجهيل بشأن المؤسسه العسكريه قد تكون أمرا مقصودا، ولكنه غير جائز في هذه المرحله من تاريخ مصر، ولقد واجهت مصر معضلة العلاقة بين المؤسسه العسكريه والدوله في أعقاب 1967 ، ولكن الفتره التاليه قد وضعت اساسا للعلاقه عبر المجلس العسكري الاعلي ومجلس الدفاع الوطني، حيث خاضت القوات المسلحه ثلاث مهام متداخله متتاليه كانت الامه كلها تحت السلاح وخلف هدف إعادة بناء القوات المسلحه من أجل تحرير الارض، وخاضت حرب الاستنزاف او حرب السنوات الست، ثم خاضت حرب التحرير وحققت نصرا عسكريا غير أن السياسه أودت بنتائج ما حققه السلاح والرجال، ويجب الاعتراف أنه لا يمكن تجاهل وزن القوات المسلحه في مواجهة أي انحراف بالاداء، حتي إن البعض أخذ عليها أن الانقلاب علي الدستور والتفريط في مكاسب الفلاحين والعمال والقطاع العام كان يجب أن تحول القوات المسلحه دون حدوثه، لأن ذلك كان خروجا علي الدستور، والتي تقع مسئولية حمايته علي القوات المسلحه.

ويخطئ البعض إن أعتقد أن الحديث عن دور للمؤسسه العسكريه هو مناقض لعملية التغيير أو هو خروج بالمؤسسه عن دورها أو هو ـ كما يحلوا للبعض أن يصوره اتهاما ـ عودة الي حكم العسكرتاريه، وهم يعنون به الحكم من 1952 الي اليوم، وكأن لديهم بديل يمكن عرضه علي الاختيار داخل الوطن، هي محاولات للفصل بين دور مطلوب وقوة يملكها الشعب وأقسمت ولاءا لصالحه ولم تقسم ولاءا لغيره، بينما الطرف الآخر يدرك معني المؤسسه وقدرتها ويسعي الي الايحاء ان موقفها مؤيد له. لاءاوة يملكها الشعب وأقسمت لصالحه ولم تقسم ولاءا لغيره يمكن عرضه علي الاختيار داخل الوطن، وللأسف فإنها محاولات للفصل بين دور مط

وغير قيادة العمل والمؤسسه العسكريه، أصبحت هناك ضرورة لادراك محتوي ما يسمي بالاحزاب السياسيه، ولم يعد مستساغا أن تستمد هذه الكيانات مضمونها عبر الاسم والرخصه وشعار بدون عمل أو علاقة جماهيريه، بل انها صارت ايضا عبئا علي حركة التغيير، وعلي هذه الاحزاب أن تعطي مبررا شعبيا غير الرخصه أو قبول النظام لها ليمكن دخولها في الحساب. كما أن جماعة الاخوان المسلمين أصبحت مطالبه بمنهج يبرر قبولها داخل المجتمع وليس مجرد شعارا دينيا أو قدرة علي الحشد ينتهي وصوله الي حدود ما تقبل به الجماعه وليس ما يحتاجه الوطن.

ولقد فرض ذلك كله التأكيد بالوعي بما يلي:

1. ان الحديث عن الشعب ليس هناك بديل عنه الا حديثا عن السكان، لنتوافق ووزراء الصدفه الذين لا يملكون أية مشروعيه لوجودهم سوي غياب الاراده الشعبيه ، ورؤية وطنيه لمصر لا تقع تحت براثن الصندوق الدولي.

2. أننا لا نقترب من عملية التغيير دون وعي بضرورات استعادة القدره علي وضع تصور لمصر المستقبل ، لابناءها ، وفق معادلات انتاجيه وتنمويه وتكافؤ في الفرص وحق العمل داخل الوطن والعداله الاجتماعيه وقواعد الانتماء والاداء والتقييم دون التمييز.

3. أننا ونحن ندعو للتغيير وبكل الادوات الممكنه، لا نقبل أن تواجه حركة التغيير اتهامات الارهاب التي سيطرة علي العقل العربي، تارة عندما تخلت الحكومات عن واجباتها وواجهتها جماعات أسستها هي ورعتها لتكون ادواتها في مواجهة المطالبات الشعبيه والقوميه، وانقلب السحر علي الساحر وبنفس الادوات التي التي أتيحت لهذه الجماعات لمواجهة التيارات التقدميه والقوميه داخل المجتمعات، وتعود ذات الحكومات لتقع تحت طائل الابتزاز الامريكي والغربي في الادعاء ان المجتمع العربي والاسلامي فيه علي وجه الخصوص هو مجتمع ارهابي، ويضيع حق مقاومة المحتل تحت دعاوي الارهاب الواجب مقاومته.

4. يجب الاعتراف أن التعبير السياسي عن العمال والفلاحين يتسم بالقصور، وهو ما قد يؤثر علي اسهامهم في الحوار الوطني، ويفرض أن تتسع مساحة الفترة الانتقاليه بما يسمح لهذه القوي بالتعبير الصحيح عن نفسها. ويثور جدل حول مسألة الخمسين في المائه عمال وفلاحين، تحت دعاوي أنها كانت مؤقته لحين استقرار الاوضاع الاجتماعيه، والسؤال، أين هو هذا الاستقرار؟ بل نكاد نقول أن اللحظه أصبح فيها وجود نسبة محددة لتمثيل جاد وحقيقي للعمال والفلاحين أشد ضرورة وأهمية من حصة لتمثيل المرأه دون أي مبرر اجتماعي وسياسي مستساغ سوي "أنا لا أتغير ولكني أتجمل"، لذلك فإن حوارا حول هذا الأمر يتطلب فسحة من الوقت والاتصال.

أن اي تغيير يتم نتيجة أداء إستضافته الصالونات أو القاعات المغلقه، هو إغتراب عن المجتمع وإحتياجاته، لذا فإن الحديث عن "اللجنه الوطنبه والمؤسسه العسكريه" لم يكن جملة أعتراضيه ، ولكنه إيضاح واجب لان ما نريده هو كل المجتمع وليس جزءا لأولئك زآخر لهؤلاء.

مصطفي الغزاوي

elghazawy@gmail.com

نشرت بالشرق القطريه في 2 نوفمبر 2010

مصر ... مستقبل التغيير "3"

مصر ... مستقبل التغيير "3"

الكل في مصر يجتهد، ويعيد تدريب النفس علي الحوار، ويسعي لاستكشاف طرق متعدده وتبادلية لتحقيق التغيير، وهذا دلالة صحة، ومبعث أمل، أن الكل أدرك الحاجه الي التغيير.

وهذا الاجتهاد أيضا يجري عملية فرز لا أريد أن أصفها بالتاريخيه أو بالفريده، حتي لا أحملها أكثر مما تحتمل، فتجهض، وتصبح أحد أسباب الاحباط بدلا من كونها اشراقة تضئ الطريق.

أري أن هناك تغير في التعامل مع الاشخاص، وطرح الاشخاص لذواتهم.

وأري أن منهجا قديما، إعتمد أساليب الانتماء الايدولوجي، تجري عليه تعديلات، ليصبح مواكبا معه إعتماد منهج لتحليل الواقع وإدراك حقائقه، قبل إطلاق العنان للافتات شعاريه تصادر التفكير، وتحجر علي احتمال الاتفاق الارادي وأيضا الاختلاف الارادي.

وأري ولست متماديا في أحلام يقظة، أن قوة ناعمة تتشكل في رحم مصر، قوامها الاساسي جيلا من الكتاب يقترب من منتصف الاربعينيات من العمر، ولكنه جيل يقود الحوار، ويعرض نفسه عبر كتاباته، ولا ينافق هنا أو هناك، بل تشكل وسط بوتقة المجتمع، وتعلم، وربما مال الي الليبراليه، ولديه المام عميق بالثوابت الوطنيه، ولديه شجاعة المقاربه الموضوعية من الافكار والوقائع، لعله يكون بذات المواصفات موجود في اركان الوطن ومؤسساته، ولكن الظاهر لنا هم هؤلاء الذين تكتب أقلامهم وتنشر، ولعل رصدنا أيضا لا يطول الكل بل البعض منهم، ويمكن لهم وبعلاقاتهم المباشره أن يكونوا الدليل الي غيرهم.

وأري علاقاتهم الداخليه والخارجيه تتشكل علي أساس من العلاقات العلميه، وعلاقات الدراسه، والتحليل، والحوار، غير تلك العلاقات التي تشكلت لجيلين سابقين، جيل تحدث عنه الدكتور مصطفي الفقي وأوضح أنه والدكتور علي الدين هلال كانا وهما قيادتان طلابيتان في الاقتصاد والعلوم السياسيه بجامعة القاهره ينهيان يومهما بلقاء ضابط أمن الدوله في الجيزه وكان يومها المرحوم حسن أبو باشا والذي تولي فيما بعد وزارة الداخليه، ليناقشوا اتجاهات الرأي العام ويكتبوا تقريرا عنها، ويعلن الرجل ذلك بوضوح في أحد البرامج التليفزيونيه، وليصبح الفقي وهلال فيما بعد ركائز للدوله، بيونيفورم الشرطه، أو بمنهج تحليل أمن الدوله. وجيل آخر صارت من حوله أسئلة عديده حول طبيعة العلاقة بينه وبين الخارج ولكن المؤكد أنها لم تكن علاقة حوار ونديه، واجه هذا الجيل العصف الامني الداخلي، وإن لم يعدم البعض منه علاقات بصانعي منهج التحليل في أمن الدوله. ورغم ذلك يمارس هذا الجيل إعدادا غريبا لمن يحشد ترتبط فيه الفكره بالفرد وبالمصلحه، إعداد ينتج أتباعا ولا ينتج قاده، وهو ذات المنهج المستخدم في الاخوان، حتي أن السماحة في القول والتعامل يمكنها أن تغيب، ويحل مكانها عصبية الجاهلية الاولي.

ومن الاسماء التي يمكن رصدها أذكر البعض، وليس الحصر ومع حفظ الالقاب،عمرو الشوبكي، عمرو حمزاوي، عماد الدين حسين، احمد النجار، وائل قنديل، وائل جمال، عمار علي حسن، وقد أضيف اليهم ممن سبق حسين عبد الغني وضياء رشوان.

هذه الاسماء من جيل بين منتصف الأربعينات والخمسينات، حان دوره، ولا يجوز أن يكتفي بنظرية الاستاذ هيكل، "أقول كلمتي وأمضي"، فحقيقة كلماتهم من الوضوح والموضوعيه والاشراق ما يمكنها من أن تكون ضميرا لحركة المجتمع والدعوه الي التغيير، وليسوا مطالبين بالاكتفاء بدور إعلامي، مع أهميته، وخطورته، وحظ مصر أنهم وبأيديهم وفكرهم يمارسون فيه دورا، هذه الجماعه أمامها دورا تحتاجه مصر الآن ويلح أكثر من أي وقت مضي، وهو إدارة الحوار داخل المجتمع متحررين من الاندراج ضمن أحزاب، أو جماعات، أو حتي حركات، ولديهم هم القدره علي وضع منهج لهذا الحوار، وآلية لتحقيقه، ففي اللحظات التي يشتبك فيها الجميع حول الانتخابات والتوريث والتخوين والحديث عن إراده الناخبين والتزوير، ليس أدعي من إطلالة صدق تحول بين واقع مؤلم نتوقعه، وأمل في مستقبل نرجوه لمصر.

وفي الوقت لذي يعصف فيه تسونامي رأس المال والقرارات الوزاريه بالاعلام والاعلاميين، والحديث عن بيع قنوات دريم لتحويلها عن أي أداء سياسي تراكم طوال أداءها لتصبح رقما في الاعلام السياسي، وسط ذلك كله تبرز شواهد ايجابيه، وينشر الدكتور عمار علي حسن دراسة عن "العصيان المدني" وهي محاولة محموده لايضاح المفهوم وتعميق الثقافه به.

وينشر الدكتور عمرو الشوبكي مقالا بعنوان "القوه الثالثه"، يفتح أفقاً جديداً للحوار، بديلا عن اسهامات تغلق آفاق التفكير والعمل، ويعرض المقال لقوتين في مواجهة بعضهما، قوي الاحتجاج والتغيير، وتحالف التوريث الذي يقوده جمال مبارك، ويطلب من قوي التغيير الاعتراف بهذا الواقع لتتمكن من التعامل معه.

ويستطرد أن خطاب التغيير وأساليبه لا تزال بعيده عن المجتمع المصري، وأن خطابها خطاب يتمني ثورة الجماهير، والقضاء علي التوريث، وأن تتوحد المعارضه، والواقع بعيد عن ذلك، وأن المناخ الرخو وإنشغال قوي التغيير "بمشاكلها ومؤامراتها الداخليه" أكبر من إنشغالها بمشكلات الوطن، والاهتمام بالحضور الاعلامي أكثر من الحضور السياسي الحقيقي. وأن بقاء أي نظام غير ديمقراطي يرجع "لأن أعداد المستفيدين والمتواطئين معه أكبر من الراغبين في تغييره"، ويطالب بالاعتراف بقوة الطرف المقابل لقوي التغيير، "صحيح أن هذه القوه بها صراعات داخليه عميقه، وتلعب بمهارة علي "توازن الضعف" داخل المجتمع، ويعرض لأن مشكلة هذا التحالف أنه يعتمد علي أجهزة الدوله ولا يمكنه النجاح دون مساعدتها".

وهنا يطرح : هل يمكن أن نفك عري هذا التحالف بين الدوله ومشروع التوريث، بحيث ينتقل مشروع التوريث الي مشروع سياسي له توجهاته اليمينيه؟، ضمن مشاريع أخري.

ويقول بإمكانية الفصل عبر "القوة الثالثه" التي تقع بين قوي التغيير الجديده وبين قوي التوريث، وهي المؤسسه العسكريه بجانب مؤسسات مثل وزارة الخارجيه والسلطه القضائيه".

"إن هذا الأمر، فى حال حدوثه، سيفرض على قوى المعارضة الجديدة الدخول فى قواعد الشرعية وحساباتها العاقلة، وتنسى أحلامها الاحتجاجية السابقة".

"إذا استطاع تيار من النخبة السياسية المصرية أن يكسر ثنائية البديل التلقائى للوضع الحالى (جمال مبارك أو جنرال) فى اتجاه الرهان على قوة ثالثة يقودها «سوار ذهب» مصرى، فإننا بذلك نكون قد أنجزنا خطوة جبارة فى سبيل تطور هذا البلد، ولكن الأمر يتطلب وجود بشر مازالوا يتحسرون بجد على وضعنا المتدهور، ويرغبون بجد فى إصلاح هذا البلد".

تصور جديد، وفكرة جديده، يمكنها أن تضيف بديلا، ولكنها تحتاج الي حوار عام من حولها، ومعها باقي الافكار المطروحه والتي في مجموعها لا تختلف جوهريا في ضرورة التغيير، أنه يجب إتاحة فرصة آمنه لتحققه، وأن للمؤسسة العسكريه دورا هو حماية هذا التحول، وإن كانت رؤية الفترة الانتقاليه تختلف ولكن الاختلاف هنا مرتبط بالمهام المطلوبه خلالها.

وهنا تبرز الحاجه الي ادارة الحوار حول الافكار، وايضا فكرة لجنة من الشخصيات العامه التي عرضنا لها في مقالنا السابق ومضافا اليها مجموعة الاسماء التي رصدناها هنا او البعض منها، ويمكنها أن تدير حوارا متجاوزا لسلبيات الحوارات السابقه والاتجاهات الأنانيه لدي البعض، لأن مصر أكبر من الأفراد وخياراتهم المحدوده بذواتهم أو رؤاهم الشخصيه.

لم يعد مقبولا داخل وطن يدرك حاجته الي التغيير، التعامل مع الافكار بقاعدة التجاهل، فأصحاب الافكار والذين يملكون شجاعة طرحها، هم الأمناء علي أوطانهم، ولكن ما جدوي الاجتهاد والعلم والنشر وليس هناك آلية للتحرك للتنفيذ، هي دعوة الي كتاب مصر ومفكريها للبدأ في خطوات نحو التنفيذ. ولعلنا نكون في أقترابنا من "ما العمل؟" قد خطونا خطوه.

مصطفي الغزاوي
نشرت بالشرق القطريه 26 اكتوبر 2010

مصر ... مستقبل التغيير "2"

مصر ... مستقبل التغيير "2"

يمكن إختصار الحاله في مصر في مشهد يندي له جبين الانسان، تمثل في ضابط بحرس جامعة الزقازيق يركل بحذاءه طالبة جامعية في مؤخرتها أمام بوابة الحرم الجامعي، مطلقا من السباب ما لا يمكن نشره في الصحف. ركلة كما يرفس الحمار محيطه غير واع بأن هذه الفتاه إبنة الشعب الذي تصدي للهكسوس والتتار والمغول والصليبيين وحمل عليهم وأخرجهم من الارض العربيه.

هي إبنة الشعب الذي قاوم الاحتلال البريطاني في مصر والفرنسي في الجزائر ودعم ثورة اليمن وحركة التحرر في الخليج العربي وتصدي للعدوان الثلاثي عام 1956 ولهزيمة يونيو 1967 وأنتصر علي الصهاينه عام 1973 ... إبنة هذا الشعب تركلها قدم ضابط شرطه يحصل علي راتبه من عرق الشعب المصري العامل.

هذا الضابط الذي تجاوز كل الاعراف والقيم الانسانيه والأخلاقيه والقانونيه والدينيه والمهنيه، لم يكن يركل فتاه جامعيه فحسب، بل كان يركل كل أجدادها الذين مروا فوق هذه الارض الطيبه وصنعوا الحضاره وأسهموا في الحضارة الانسانيه، كان يركل أحمس ورمسيس ومحمد كريم ورفاعه الطهطاوي وأحمد عرابي ومصطفي كامل ومحمد فريد وسعد زغلول وعبد الرحمن فهمي ومحمود شلتوت وأحمد لطفي السيد وأحمد شوقي وطه حسين والعقاد ونجيب محفوظ ومحمد حسنين هيكل وأحمد زويل ومحمد البرادعي وابراهيم الرفاعي وعبد المنعم رياض وسعد الشاذلي وجمال عبد الناصر ... يركل تاريخ مصر كله ورجاله ولا يتصور أن هناك من يمكن أن يراجعه أو يحاسبه.

مشهد يجسد العلاقه بين سلطه تجهل تاريخ الوطن وتتنكر له، وبين الشعب الذي يدفع ثمن بقاؤه علي قيد الحياه خصما من كرامته. لم ينجح العدو الأجنبي في النيل من كرامة المصريين ، وكانت المذابح البريطانيه في دنشواي وكفر عبده والاسماعيليه، دلالة رفض الشعب للوجود الأجنبي وفي النهايه حمل المحتل الاجنبي عصاه علي كتفه ورحل.

ويصور الفنان عمرو سليم المرحله في كاريكاتير نشر في 13 اكتوبر 2010 حيث ترتدي عينات لها دلالتها من الشعب المصري زي رجال الشرطه ومنهم "مذيع، مرشحه بالكوته، صحفي، رئيس حزب، أستاذ جامعي، مالك صحيفه، وزير" !!، بينما "عسكري بحق وحقيقي" كما أطلق عليه عمرو سليم، قد ألقي القبض علي مواطن بملابس باليه ويدفعه أمامه الي الضابط قائلا: "تمام يا أفندم ... ضبطته ماشي في الشارع من غير يونيفورم المرحله !".

يونيفورم المرحله .. ليس أمامك خيار، إما أن تسلم إرادتك للشرطه وتعمل لحسابها، أو أن تتهم بالخروج عن مقتضيات المواطنه ويتوجب إعتقالك.

مشهد وكاريكاتير يعرضان للمأساة الملهاة التي تفرض خيار التغيير فوق أرض مصر، وتنفي إمكانية الاصلاح بين التحالف الحاكم وبين الشعب.

وبهذا أصبح الشعب بين خيارين، التسليم لإرادة ورغبات الأجهزه الأمنيه الحاكمه عن غير وعي بتاريخ الوطن وثوابته ودستوره والقوانين الناشئه عنه، ولا تدرك لنفسها دورا غير أنها عصا غليظه في يد التحالف الحاكم ولصالح استمراره في الحكم، أو علي أفراد الشعب ألا يتوقعوا غير الركل بأحذيه الشرطه. هذا ما لدي التحالف الحاكم من بدائل للشعب وأصبح خيار كسر هذه المعادله السوداء هو المدخل الي الحركه من أجل التغيير في مصر.

الحديث عن التغيير في مصر ليس حديث التمني ولكنه حديث المسئوليه الواجب إدراك أبعادها، وتحقيق أهدافها. لم يعد صالحا أن تستمر الأمور علي ما هي عليه، وعرضنا في المقالات السابقه لقضية التغيير من جوانبها المختلفه، ولعلنا نقترب في هذه المقاله من الإجابه علي السؤال التاريخي : ما العمل؟.

لقد أدركنا أن النقابات العماليه والمهنيه والجمعيات الأهليه قد سيطر عليها التحالف الحاكم بواسطة أجهزة الأمن، وأستسلم أعضاؤها لهذه السيطره وخصموا أنفسهم من قوة المواجهة، كما أن الأتحادات الطلابيه صارت شكلا بلا مضمون سواء بسيطرة الأمن عليها أو بالمنهج السائد بين الطلاب والذي أدي الي حشد الطلاب وتخزينهم داخل مبردات للإرادة إلي أن يحين وقت الاحتياج حسب رؤية المسيطرين علي حركة النشطاء من الطلاب، وضاع الطلاب بين مطرقة الأمن والإداره وسندان منهج تجميد الحركه.

كما اتضح أن الأحزاب السياسيه مشاركه للحزب الحاكم في تحالف الحكم، وأنضمت اليهم جماعة الاخوان التي لم تعرض تصورا سياسيا لكيف يتم التغيير، ولكنها تسعي لاثبات الوجود وتحقيقه بمشاركة في الانتخابات النيابيه، بينما يدفع شباب هذه الجماعه الثمن في موجات من الاعتقال، والمصادرات الاقتصاديه، ويعانون من تشتت بين حاجة الوطن ورسالة الدعوة ، حتي صارت الجماعة عبئا علي الحاله الوطنيه وعلي الحركة من أجل التغيير شأنها في ذلك شأن الاحزاب السياسيه. وتكاد تخسر جماعة الاخوان قبولا لدور لها ضمن الجهد الوطني، تغاضي عن كون عودتها بالأساس الي الساحة السياسيه كان الهدف منه دعم خيارات نظام السادات في مواجهة الحركة الوطنيه، وبالتالي فعلاقتها مع نظام مبارك هي امتداد لذات قناعات الجماعه والدور الذي قبلت به، ولكن التحرشات المتبادله لا تخرج عن أزمة داخل التحالف الحاكم وتنافس داخلي مهما كان الإدعاء برفض الفساد أو عذابات الزنازين، فمن يدخلون السجن مهما كان مستواهم التنظيمي ليسوا هم الذين يتخذون قرار الانتماء.

إندرجت الغالبيه تحت سطوة الأجهزه الأمنيه وفقدت الدعوه الي تشكيل "حركة التغيير" وفق مفهوم "حركة التحرر الوطني" جدواها، وتحولت القوي والأحزاب والجماعات الي مطالب آنيه وذاتيه، وأنخرطوا في منظومة التحالف الانقلابي الحاكم، ووجدوا من يبرر حقهم في ذلك وأن أي حديث عن حق الوطن عليهم وواجبهم مجتمعين تجاه عملية التغيير هو إتجاه شمولي لا وجود له في عالم الليبراليه الأعرج، الذى لم يقل أحد لنا لماذا أصبحت معايير الليبراليه هي الصواب وأن غيرها لعنة غير مقبوله، ولم يوضحوا لعنة علي من خاصة أن كل كل الانهيار والفشل في الدوله تم تحت شعارات الليبراليه وفق منهج حزب العمال البريطاني في التعامل مع مصر!! وتحت إشراف توني بلير!!.

لذلك صار الواجب إعادة ترتيب الاوراق وتحديد اتجاهات المجهود الرئيسية من أجل التغيير مع الأخذ في الاعتبار المحددات والمهام التاليه:

1) أن الزمن ليس معاملا مفتوحا بلا حدود، فالوقت الذي لا "تستخدمه ــ تستثمره" حركة التغيير، يستخدمه التحالف الحاكم في إجهاض الحركه، فضلا عن السيطرة علي مقدرات الوطن وإهدارها. لذلك الزمن معامل يجب إدراك قيمته وإدخاله في حساب النجاح والفشل.

2) أن التسليم بأن الكوادر داخل الأحزاب والجماعات السياسيه، والتي يتلاقي وعيها علي ضرورة الحركه من أجل التغيير، هم هدف رئيسي لحركة التغيير وأستقطابهم للحركه مهمة أساسيه.

3) البحث والتدقيق في مبررات التلاقي بين الاحزاب السياسيه وجماعة الاخوان وتحالف السلطه والثروه الحاكم، ودراسة أمكانية التأثير علي هذا التلاقي والسعي الي تفكيكه.

4) وضع خطه لأستعادة النقابات من الاستغراق في الدعوات الفئويه، والأستسلام لأدارة الأمن للنقابات العماليه والمهنيه والسعي الي ربط النقابات بالدور الوطني، وقد يواجه هذا الهدف صعوبات شديده ولكنه ليس بمستحيل، فضلا عن أن الوضع الاقتصادي والاجتماعي والسياسي، يؤدى دور التحريض والحشد خلف مهام التغيير، حتي وإن لم يتولي أحد الدعوه الي هذا.

5) السعي الي استرداد نادي القضاه لصالح جبهة الاستقلال، وكذلك نقابة المحامين والصحفيين لصالح الحركة الوطنيه. والسعي الي استرداد حركة نقابة الاطباء ونقابة المهندسين الي التيار المقاوم لعملية السيطره الأمنيه، وهذه المهام العاجله في اتجاه النقابات المهنيه، سيكون لها أثرها ومردودها علي باقي التشكيلات النقابيه. كما يجب السعي إلي إعادة دور انديه أعضاء هيئة التدريس في الجامعات بما يمثله من عمق نوعي للحركه وما يمثله من قدرات بشريه.

6) مواجهة النزوع الي فردية الأداء أو محاولات شخصنة الآليات، وهو أمر يتطلب جهدا يجب أن يسهم فيه المثقفون الي جانب السياسيين، حتي نستطيع عبور عنق الزجاجه في الوضع القائم والمتمثل في تشاحنات علي غير القضيه، وتنافس علي غير التضحيه. ولعل أسماء بعينها لها في الأمر دور رئيسي منها الدكتور محمد غنيم والدكتور محمد البرادعي والدكنور كمال أبو المجد والمستشار طارق البشري والدكتور وسيم السيسي والمستشار زكريا عبد العزيز والدكتور حسام عيسي والدكتور يحي الجمل والاستاذ محمد حسنين هيكل، والأمر يتسع للعديد من الشخصيات التي يمكنها أن تسهم في هذه المهمه.

7) تعدد الآليات وتنوعها يصبح إضافة لو ان له هدف واحد، وتم تحديد المهام لكل منها علي أن يجري التنسيق الافقي فيما بينها، وأيضا تقييم النتائج التي تتحقق، والمكاشفة بين عناصر الأداء والتوجيه والتقييم ضرورة أستمرار وضرورة نجاح، لأن أي تجاوز يمكن أن يذهب بجهد الجميع.

8) التمييز بين الأداء الأفتراضي (الانترنت)، وبين الأداء في الواقع، فألأداء الافتراضي هو وسيلة للحشد والاعلام وتبادل الرؤي والحوار، أي أنها أداة اتصال وليست أداة فعل، مما يعني أن مقابل كل وجود إفتراضي يجب أن يكون هناك وجود في الواقع المجتمعي.

9) الأداء في الواقع يجب أن يتسم بالفاعليه، وهو ما يتطلب إضافة التدريب للكوادر التي تقوم بالمهام، ليشمل كيفية الأداء بين الجماهير وطرق تنميته، وأساليب تصاعد الدعوه الي الاهداف العليا للتغيير، وأساليب الارتباط بين الدعاه وعناصر الحركه والكتل الشعبيه في مواقعها. قد تبدوا العناوين ضخمه، ولكن المحتوي سلس وقريب من ذهن المتعاملين في العمل العام أو حتي داخل الوحدات الانتاجيه والشركات، فقط المطلوب إعادة التذكره، وهنا يؤدي التدريب دوره في إعداد كادر الحركه.

10) تحتاج الحركه الي إدارة حوارحول المضمون، لتحديد هوامش الاتفاق، وهذا حوار فكري وسياسي وعليه تجنب الانزلاق الي الاستطراد في توصيف الحاله. ويضاف الي ذلك شروحا لبعض مفاهيم الحركه.

وهكذا فإن مهام الحد الادني من إعداد البشر، والاجتهاد بشأن إعداد مسرح العمليات، وكلها مهام تحضيريه، هي مهام لا غني عنها وليس هناك من يقوم بها نيابة عن قيادة هذه الحركه.

ويبقي لسؤال ما العمل؟ تصور برنامج للحركه، قد يكون الاسهام فيه واجبا، ولكنه بالاساس مهمة رئيسيه للقياده الميدانيه لحركة التغيير.

مصطفي الغزاوي

نشرت بالشرق القطريه 19 اكتوبر 2010

مصر ... مستقبل التغيير "1"

مصر ... مستقبل التغيير "1"

شهدت السنوات الست الماضيه حراكا بدأ في نهاية 2003 ، وتحققت أعلي نقطة تطور فيه في انتخابات 2005، وتحدد خلال الحراك طرفي معادله الصراع، وتلقي كل منهما درسا من نتائج انتخابات 2005. وكانت عناصر الثروه والسلطه الأكثر استفاده من الدروس التي عرضت لها وقائع انتخابات 2005، وأظهرت أحداث إنتخابات المحليات التي تلتها، ومجلس الشوري 2007، أن الصراع علي المقاعد النيابيه فكره رومانسيه، وغير مجديه، خاصة وأن سلاحا التزوير والتشريع، كلاهما، وضعا حدا لجدوي عملية التصويت، بل وجدوي الذهاب الي صناديق الاقتراع حيث كانت الدعوه أن الذهاب للتصويت يمنع التزوير، ولكن تكفل الامن والعناصر الاداريه في اللجان بعملية الاقتراع، وسيطرا عليها، وتحددت "حصص" من الاصوات مطلوب انجازها في كل لجنه، وتولي أمرها رجال الامن. كما أتاح التشريع الفرصه الكامله لاتمام عملية التزوير بألغاء الاشراف القضائي علي العمليه الانتخابيه وحصره فقط في اللجان العامه.

وبات واضحا من حصيلة تراكمات السنوات الست الماضيه، أن الاحتياج الوطني ليس مجرد الاصلاح السياسي، ولكنه التغيير بمعني إعادة بناء الدوله، وصياغة عقد إجتماعي جديد.

وتبلورت حقيقة أن التناقض بين الشعب والتحالف الحاكم هو تناقض رئيسي وليس خلاف في وجهات النظر، وأن أفكار الاصلاح ليست كافيه، وأن الاحتياج هو إعادة بناء الدوله. وجرت عملية فرز حددت أن التحالف الحاكم شمل غير السلطه والثروه أحزاب التجمع والناصري والوفد، خاصة بعد نقضهم لفكرة مقاطعة العمليه الانتخابيه لما يشوبها من تزوير وانعدام الاشراف القضائي فضلا عن عدم جدوي التواجد في المجالس التشريعيه في مواجهة اللدد في الخصومه الذي يمارسه التحالف الحاكم، ومواجهة الاحتياجات الشعبيه بقاعدة القرود الثلاث، لا أري، لا أسمع، ولا أتكلم.

بالاضافه الي تحديد طبيعة التناقض وفرز القوي السياسيه علي أساسها، تحقق بعدا آخر إتسمت به المواجهة في الصراع، وهو الانتقال من مرحلة الهمس الي مرحلة الحديث جهارة وبوضوح.

وعلي الجانب الآخر مارس التحالف الحاكم كافة الاداءات التي كانت توصف في مراحل سابقه بأنها ممارسات فجه، خارجه عن الالتزام الوطني والأخلاقي والقانوني، وانتشرت مقولة "ليس هناك ما يمكن أن نسميه بثوابت النضال الوطني"، وهي ذات المقوله التي جاء بها كيسنجر الي المنطقه في أعقاب حرب اكتوبر 1973، "لا تحدثوني عن تاريخ وحقوق"، وتحقق لكيسنجر ما أراد وسلم له السادات مفاتيح إعادة ترتيب المنطقه، وهو ذات ما يقوم به التحالف الحاكم، إعادة ترتيب القوي الاجتماعيه، والثروه، والقوانين الحاكمه، والدستور وفق رؤية تحكمها مصالح التحالف، وليس تعبيرا عن حقائق الانجاز الوطني في حرب التحرير، ومتطلبات الاحتياج الوطني في تحدي التنميه والعدل الاجتماعي.

ونرصد في المجتمع تصرفات تنتج عن ضعف، لأنها تلوي ذراع الحقيقة وتفرض، وبفجور في القول والتصرف أوضاعا غير قانونيه، وأمام أعين الشعب والاعلام والعالم، وكأنه ليس هناك من يستطيع إيقاف مسلسل إنهيار الدوله، فقد قضت المحكمه الاداريه العليا بتأييد الحكم الصادر ببطلان عقد أرض مشروع "مدينتي" بين هيئة المجتمعات الجديده والشركه المالكه للمشروع، وتلتف الحكومه، وهي خصم في القضيه وحكم المحكمه ضدها ويدين تصرفها، تلتف الحكومه علي الحكم وتشكل لجنه توصي باعادة الارض الي الشركه وتصدر الحكومه قرارا بهذا. وكأنها أعدمت حكم المحكمه الاداريه العليا.

ويسهم القضاء الجنائي بموقف مشابه لموقف الحكومه فيصدر حكما في قضية قتل متهم بالتحريض عليها رئيس الشركه التي تبني مشروع "مدينتي" دون إتمام إجراءات المحكمه وسماع مرافعة الدفاع، وهو أمر يتيح فرصه للطعن علي الحكم، مما يؤدي إلي خروج المتهمين من السجن حتي البت في الطعن، ويصير للطعن فرصة واحده هي تخفيف الأحكام فقط، رائحة غير مستحبه فاحت من المشهد الذي جرت وقائعه في أقل من أسبوع، وأمام كل الأعين، ولا رادع، فليس هناك تاريخ وليس هناك حقوق والقانون وفق الهوي.

وما إن هدأت هذه العاصفه، بدأت وقائع إقالة الاستاذ ابراهيم عيسي رئيس تحرير جريدة الدستور، من منصبه بناءا علي قرار من مجلس إدارة الجريده ومالكيها، وتولي التنفيذ رئيس حزب الوفد وهو في نفس الوقت رئيس مجلس إداره الدستور ، وأحد أعضاء لجنة الوفد العليا، وهما من مالكي الجريده.

إجراء عجزت السلطه منفرده عن القيام به لما يمكن أن يترتب عليه من مواجهات مع الصحفيين والنقابه، ولكن نجح التحالف الشيطاني بين السلطه والثروه والاحزاب أن يقوض واحده من الصحف المستقله، والداعمه لعملية التغيير.

وأصبح الأمر خلافا بين مجلس الاداره ومالكي الجريده من جهة ورئيس التحرير من جهة أخري، أي خلاف بين سلطة رأس المال وسطوته وسلطة صاحبة الجلاله، فكيف لإرادة صاحبة الجلاله أن تنتصر علي سلطة رأس المال؟ صورة جديده للصراع، قد تودي بجريدة الدستور، وقد تشعل نقابة الصحفيين في مواجهة مع أصحاب رأس المال، درس جديد في الصراع بدأ ولكنه لم ينتهي بعد.

ويحاول البعض تصوير ما جري في الوقائع السابقه بأنه إنجازات متتاليه لتحالف السلطه والثروه والاحزاب، ولكن هناك منظور آخر لرؤية هذه الوقائع، أن هناك تعجلا شديدا يحكم هذه الوقائع وهناك أيضا تجرؤا في فعلها، ومع ذلك فهي أفعال تخرج بلا مقومات بقاء ويسهل نقضها، كما أنها تدلل علي أن التحالف الحاكم لا يريد الدخول الي الانتخابات النيابيه والرئاسيه والحال علي ما هو عليه، وهذا مؤشر علي توازن للقوي من نوع ما بين طرفي الصراع، قد لا يلحظه المراقب، ولكن الافعال العشوائيه للتحالف الحاكم تدلل عليه.

إجراءات تحمل في طياتها دلالة ضعف للتحالف الحاكم، وليست تعبيرا عن قوة، مما دفع بكتاب النظام الي الحديث عن عودة السياسه الي مصر، ونهاية الحركات السياسيه الهامشيه، وحديث حول مهام العمل الوطني، في محاولة للإيعاز بأستقرار الأوضاع، وكأنهم يتحدثون عن أوضاع في غير الوطن الذي نعيش فيه، والحديث موجها لغير الشعب الذي يئن من الاوضاع الاقتصاديه والمعيشيه. والغريب أن يكتب الاستاذ عصام رفعت متساءلا هل نحن أمام مصر واحده أم مصرين؟ ويعرض لصور الازدواجية والتفتيت والثنائيه داخل المجتمع، وأن "مصر بلدين مصر ومصر الموازيه وليست بلدا واحدا، إن التفتيت إضعاف بينما قوة المجتمع في وحدته". وكأنه يرد عليهم حديث الافك الذي يدفع المجتمع والشعب ثمنه من قوته وصحة أبناءه ومستقبلهم بينما هم يعيشون في مصر الموازيه يقبضون ملايين الجنيهات شهريا ليكتبوا هذا.

ويدخل الدين علي المشهد في مواجهة بين الرجل الثاني في الكنيسه وبعض من عقلاء المسلمين، وتتسم المواجهة بتجاهل الوطنيه المصريه وتجاهل معاناة الشعب المصري، وتعمد رفع درجة التوتر، وعندما تظهر السلطه في مواجهة هذا التطاحن تبدوا هزيله وبخطاب ركيك وكأن الامر لا يعنيها، وكأن برأس السلطه ما هو أهم من الوحده الوطنيه.

ويبدوا أن السلطه تستبدل الحديث عن ارهاب المتدينين الاسلاميين، الي ظاهرة جديده هي الفتنه الطائفيه، لتضاف الي مسوغات قانون الارهاب الذي يزمعون إصداره لإقرار حالة طوارئ دائمه، وأيضا مبررا لاستمرار حالة القتل التي يمارسها الأمن، تحت دعاوي خطر الارهاب لتصبح عمليات القتل مبرره بضرورات الدفاع عن الوحده الوطنيه ومنع الفتنه الطائفيه، شأنهم في هذا شأن ما فعلوه في سيناء، حيث القتل والاعتقال والتوتر، للحفاظ علي أمن اسرائيل، والمعلن مواجهة الارهاب!!.

ويعاود الدين الدخول الي المشهد علي يد أحد المتحدثين علي الفضائيات المنتشره كما المنتجات الصينيه في الاسواق، دون ثقافة كافيه ودون وعي كاف، ويكون الحديث هذه المره مواكبا لمطلب تشريعي نادي به الحزب الحاكم بجواز المتاجره بالأثار، ويذهب أبعد من ذلك إلي تدمير الأثار المصريه، وحق كل مواطن في الخبيئة التي يجدها في أرضه، وهي فتوي أرسلت المواطنين لحياة الوهم والتمني دون أي مبرر عقلي أو موضوعي، واتجهوا للحفر تحت الارض والنظر لاسفل، ولم تحرر إرادتهم لمواجهة التدهور الحادث في المجتمع.

وهكذا نجد الدين قرين الارهاب، ثم قرين الفتنه الطائفيه، وقد مررنا بفترة جري فيها الحديث عن الصراع المذهبي وانجرف اليه علماء كبار وتناغمت أقوالهم مع رغبات السلطه وأمريكا، وها نحن نجد إضافة جديدة للدين بفتوي تفتح الباب للوهم وأحلام اليقظة المرضيه، وكأن هناك من إستورد مقولة "أفيون الشعوب" ويعمل علي إنفاذها لإلهاء الشعب عن متطلبات اليقظه وتحرير الاراده إعدادا لمهام التغيير التي لن يتولاها غير أصحاب المصلحة المباشرة في تحقيق التغيير.

هكذا اتضحت طبيعة التناقض مع التحالف الحاكم والاحزاب المنضمه تحت لواءه، وأدي هذا الي تحديد أن الهدف هو التغيير وليس الاصلاح، وتم الفرز داخل المجتمع، وأصبح الحديث جهرا وليس همسا، وتبين من العناصر الثلاث المكونه للمشهد الحالي أن الضعف الشديد قد ألم بالتحالف الحاكم، وأن اللحمه بين عناصر التحالف قد أصابها الوهن، وهي في حالة تخبط وتردد وعصبيه، ويتوقع المراقبون أن تؤدي هذه الحاله الي تسونامي مضاد للاعلام قد يحدث في أي لحظة، مما جعل الاعلاميين يرفعون الاقلام ، ويجف حبر المطابع فوق آلات الطباعة.

والمفارقه أنه بين عام 2004 بدية الحركه من أجل الاصلاح واليوم ست سنوات، وهي ذات المده بين الهزيمه العسكريه في 1967 وبين النصر العسكري في 1973، ولكن الفرق في المضمون عميق ولا وجه للمقارنه، فالأمه بعد هزيمة 67 العسكريه لم تستسلم، وبإرادة كل الشعب حشدت الطاقة الوطنيه كلها خلف هدف التحرير، ونجحت بكل أبناءها في تحقيق النصر العسكري في 1973، واليوم ذات الامه تبحث في تاريخها وبين عناصر مكوناتها الشعبيه عن كيفية الوصول الي هدف التغيير لصالح مستقبل الشعب؟\وكيف تدير الصراع؟.

مصطفي الغزاوي

نشرت بالشرق القطريه في 12 اكتوبر 2010

مصر ... السؤال الكبير "3"

مصر ... السؤال الكبير "3"

بدا مما عرضناه أن القوي الاجتماعيه تدرك بالمصلحة المباشره ومما أصابها من الوان الغلاء وإستلاب المكاسب الذى منيت به، وتفريغ المؤسسات الجماهيريه المعبره عن مصالحها، من المضمون والاستيلاء عليها، وتوفير الغطاء التشريعي لكل هذا، باتت تدرك وجوب التغيير، وأن الأمر ليس إصلاحا سياسيا بمعني التعديلات هنا وهناك، ولكنه إعادة ترتيب الدوله، ومن ثم التعبير عن الترتيبات الجديده بعقد إجتماعي جديد.

هذا ما نتصور أنه وصل يقين هذه القوي، او في الحد الادني أدركه وعيها. وإن كان التعبير عن هذا الادراك ما زال دون القدره علي تحقيق إنجاز في الواقع يتناسب وحجم المهام المفروض عليها أداؤها.

وقد إتضح مما عرضناه، أن القوه والقدره لا تأتيان لمجرد الرغبه، ولكن لهما شرطان واجبا التحقق، أن العمل جماعي وليس فردي، أي الجميع خلف الهدف، وأن يكون مشمولا بالتنظيم.

والتنظيم هنا لا نعني به أن تكون الكتل الجماهيريه منتظمه في هياكل تنظيميه ولكن ما نعنيه بالتنظيم التكتيكي او العملياتي هو القدره علي حشد الكتل الشعبيه علي المستوي الجغرافي والنوعي وتوجيهها في إطار تنفيذ مهام التغيير، وذلك يتطلب توافر ما يلي:

1. وضوح الهدف لدي الكتل الجماهيريه، وقبولها به، وهذا ناتج من رد الفعل الشعبي علي حالة الغلاء وفضائح فساد السلطه والعجز عن تلبيه الاحتياجات الشعبيه.وهو أيضا يتأتي من الدعوه والتوعيه والتحريض.

2. الإستعداد للعمل من أجل تحقيق أهداف التغيير، وهو إدراك يتجاوز مجرد الوعي، إلي ضرورة ترجمة الوعي إلي فعل، لان الفعل هو السبيل الوحيد لتحقيق الهدف، وأنه مسئولية مباشره.

3. الاستعداد لتحمل تبعات العمل من أجل اهداف التغيير، والقبول بالتضحيات إن لزم الامر.

4. وضوح المهام الواجب تنفيذها.

5. وضوح البدائل لمراحل الحركه.

6. القدره علي الاتصال والتواصل بين القطاعات المختلفه.

7. الاعلام بما تحقق من إنجاز، وعلاقة ذلك بالهدف النهائي.

8. القدره علي توفير التمويل اللازم للحركه ذاتيا أو ببدائل تؤدي للاستغناء عنه.

9. القبول بقيادة العمل، وقراراتها.

والعناصر السابقه جميعها ترتبط ومدي قدرة المجتمع علي انتاج قيادة للتغيير، تتولي تحقيق عناصر التنظيم هذه.

ويجب الاعتراف أن ممارسة القوي الاجتماعيه والنخبه من العناصر السياسيه لهذا الأمر حتي الآن هى ممارسة الهواه غير الإحترافيه، فهى لم تطرح أمامنا مخطط أداء وبرنامج زمني، ولا هي تمارس بأسلوب التجربه والخطأ، الذي يتيح التراكم الناشئ عنه أن يعطي محددات طريق تستكمل القوي السير فيه.

قال لي صديق بعد أن حضر مظاهرة في ميدان عابدين بالقاهره يوم 21 سبتمبر 2010 "أنت تعلم أن (...) صديقي، ولكن مظاهرة بها إثنان من الذين أعلنوا أنهم سيترشحون لمنصب رئيس الجمهوريه، ولم يتمكنا معا من حشد عشرة آلاف متظاهر علي الأقل، وتخرج المظاهرة بهذا العدد المحدود!"، قال ملاحظته وصمت، ولم أجد تعليقاً لدي.

نحن أمام شيزوفرانيا النخبه السياسيه ومتباينات في الاختيار، يتحدثون عن رفض حكم العسكر، دون أن يعرضه أحد عليهم، ولكنها نغمة ليبرالية المقاهي، ويقبلون بلصوص الانفتاح والخصخصه شركاء في الديمقراطيه. وكأن الديمقراطيه هي علاج انهيار الدوله والفشل علي كافة الأصعده، ويتغافلون عن أن الديمقراطيه نتيجة، وأنها تتحقق عبر تراكمات اجتماعيه واقتصاديه وسياسيه عبر تاريخ المجتمع.

ويتجاهلون مسلسل القتل الامريكي الصهيوني، ويركنون الي امريكا لتنصرهم في الإصلاح السياسي، ويعتبون علي الرئيس الامريكي إن لم يتعرض لأمر مصر والديمقراطيه والانتخابات، يريدون أن تحملهم أمريكا علي أكتافها بدلا من الدبابات، ولا يوضح أي منهم الفرق بين كتف أمريكا ودبابات أمريكا؟ وبأي ثمن ستساعدهم أمريكا؟.

وتنهال عليهم عصي الامن المركزي ويلقي بهم في الزنازين، ويسألون السلطه ألا تزور الانتخابات وأن تمنحهم ضمانات لنزاهة الانتخابات، وفي كل هذا لا ينتبهون الي القوي الاجتماعيه إلا بالنقد والتساؤل: متي سيخرجون عن صمتهم ويتحركوا؟؟

هنا تتبدي أهمية دخول الاستاذ هيكل باقتراحه بمجلس أمناء الدوله والدستور، أضاف ثقله وراء فكرة المطالبه بالتغيير وفق إقتراح متكامل، ولكن لم تنجح النخبه الوطنيه في تبني الفكره ولاذت الي القبول بمجرد ترشيح للرئاسه والمطالبه بتعديلات وضمانات، ولم تدرك الفارق بين مطالب التغيير وجذريتها وبين المطالبه بتعديلات وضمانات، كما أنها لم تنجح في إقرار قيادة لحركة التغيير، وقيادة الحركة غير تلك المناوبات حول من يقود جمعية التغيير مع الاحترام للاشخاص، فالفارق جوهري بين تصرفات الهواه والعمل العلمي الاحترافي.

ويبدوا شبح توفيق الحكيم في الافق يحادثنا عن دور تائه، ينشد عودة الروح، ويبحث عمن يقوم به.

كان الحديث في الماضي غير البعيد أن من يستولي علي القاهره الكبري الجغرافيه، يستولي علي نظام الحكم، فأحاطوا القاهره بكتل عماليه في حلوان وألماظه وشبرا الخيمه والجيزه، وكانوا يومها علي قناعة بأن العمال سيحمون النظام، ومن هؤلاء العمال خرجت المظاهرات في 1968 و1977، ثم تراكم من حول القاهره حزام العشوائيات الذي يقدرون عدد القاطنين فيه بستة ملايين مواطن، ولكن السلطه لم تترك للعشوائيات أن تحكمها، فأحاطتها بحزام من الأمن المركزي يفصل بين القاهره وعشوائياتها وبين المجتمعات الجديده التي يطلقون عليها "مدن الجولف".

وفي عام 1986 خرجت المظاهرات من الامن المركزي ذاته، ويومها إضطر الجيش للتدخل حتي لا تمتد الحرائق الي قلب القاهره، كان حريقا آخر للقاهره يعيد للأذهان وقائع يناير 1952، ولكنه انتهي دون أن تصل نيرانه لقلب العاصمه. فهل سكان النطاقات المتواليه من عمال وعشوائيات وأمن مركزي وسكان "مدن الجولف"، قادرون علي العيش معا دون إستفزاز؟، وهل سيظل الأمن المركزي يري ما يحدث في قلب العاصمه دون أن تصل حقائق ما يحدث خلف ظهره إلي إدراكه؟ ودون أن تستفز جموعه القادمه من قاع القرية والنجع والمدينه، مظاهر الهوة الشاسعه بين الأغنياء الذين يحمونهم، ويدفعون عنهم ضريبة الفارق الطبقي، في مواجهة من هم في الاساس أهلهم.

يبدوا من مشهد الحلقات المحيطه بالقاهره أن الأمن المركزي مرشحا ليكون الوقود الأساسي لثورة الجياع.

وقبل الوصول الي الحساب الختامي حول مستقبل التغيير في مصر نجد أن هناك ثلاث سيناريوهات ومشترك أعظم واحد.

السيناريو الاول، وهو القائم بالفعل، سواء استمر الرئيس في الحكم، أو تم التوريث، أو جري أمر ثالث تعبيرا عن توازن للقوي داخل الدوله وبعيدا عن الرأسماليين الجدد، وهذا السيناريو، يحظي بالنصيب الاوفر من التحقق، وهو ليس انتصارا سياسيا للتحالف القائم، ولكنه تعبير عن عملية متوالية لدعم خيارات التحالف، بكل الوسائل، وهو ما عددناه في المقالات السابقه، وآخرها نجاح التحالف الحاكم في إجهاض محاولة مقاطعة الانتخابات، والتي أفشلها بالاساس أحزاب الوفد والتجمع والناصري وأنضمت إليهم جماعة الاخوان المسلمين، ولتتسع رقعة التحالف الحاكم لتضم الاحزاب وجماعة الاخوان المسلمين في مواجهة عملية التغيير.

ويقارب هذا السيناريو سيناريو ثان ينتج منه او ينتج في مواجهته، والخشية فيه أن يكون قريبا من سيناريوهات أمريكا اللاتينيه،أو لنسميه سيناريو "لورنس العرب".

وهو سيناريو يعتمد علي المجهول بالنسبة للمعلومات المتوافره، ولكن المنطق قد يعوض نقص المعلومات، فمن غير المتصور أن مصر ليست علي جدول اعمال مباشر بشأنها في الغرب، وأجهزة مخابراته، وأنهم بالقطع لن يدعوا ما يحدث في مصر للظروف والصدف تصل به الي غير ما يريدون، والمتصور أنهم يملكون مخططا، وقد نفاجئ بالمحظور اليوم وهو في سدة الحكم غدا، ووراءه تحالف مخابراتي غربي أمريكي إسرائيلي، ويفعل "لورانس العرب" الجديد فعله في مصر. وهو احتمال تعاظم مع حالة تجاوز في تصريحات مفاجأه صدرت عن الرجل الثاني في الكنيسه، أقرب ما تكون الي دعوة للحرب الاهليه.

محوران متناقضان يلعب عليهما الغرب وأجهزته، حكم ديني اسلامي ورفض ديني مسيحي وتصل مصر الي بدايات طريق التقسيم.

والسيناريو الثالث سيناريو توافر قدرة لقوي التغيير، رغم غياب القياده والتنظيم والحشد، وذلك إذا ما توفر ما اسميناه "مجهول توفيق الحكيم"، ظهور درامي لمن يملك القدره علي تولي الدور التائه والوصول بقوي التغيير الي اول الطريق، وهو سيناريو يقوم علي المجهول، وليس هناك من منطق يعوض نقص المعلومات عنه، وضعنا هذا الاحتمال رغم أن مصائر الامم لا تتحدد بالمجهول وجودا وقدرة ورؤية.

والمشترك الاعظم الذي يزاحم هذه السيناريوهات هو"ثورة الجياع"، لا يلغيه أي من هذه السيناريوهات، لان السيناريوهات السابقه هي صراع المماليك، أو المحاولات النخبويه في مواجهة التحالف الحاكم، وإصرار التحالف الحاكم علي تحقيق سيطرته علي السلطه بقواعد وقوانين أنتجها الفساد، غير عابئ بالمردود الشعبي في مواجهة التدهور الاجتماعي والاقتصادي.

التحالف الحاكم بمن انضم اليه، يمثل قصة "صورة دوريان جراي" لأوسكار وايلد، ووقائع الايام القليله الماضيه كشفت عن الوجه الشيطاني للتحالف الحاكم، في مواجهة لعب فيها القضاء الاداري والجنائي ، والحكومة ولجانها، وترزية القوانين، الدور الرئيسي. ولم تعد الأمور أستثمارا ولا سياسة اقتصاديه وليست متطلبات عصريه، بل ما انكشف هو فعل شيطاني، ولم تعد التشوهات تحت أستار سميكه تخفيها، بل صارت ملك لكل الناس، فقد أعترف الشيطان أن قدرتهم فاقت تصوره، وكشف عن صورتهم المشوهة.

إجهاض مقاطعة الانتخابات كخطوة أولي للعصيان المدني، فتح الباب لتنضم كتلة الجماهير تحت خط الفقر مع كتلة الفقراء تحت السلاح داخل الامن المركزي، وهو ما يمثل اللغم القابل للانفجار دون سيطرة تحت مسمي "ثورة الجوع".

هكذا محاولات الاجابة تثير من الاسئله أكثر مما تضع من إجابات، فكيف يمكن رؤية مستقبل الحركه من أجل التغيير في مصر؟ وهذا حديث آخر.

مصطفي الغزاوى

elghazawy@gmail.com

نشرت بالشرق القطريه في 5 اكتوبر 2010

http://www.al-sharq.com/articles/more.php?id=211129

مصر ... السؤال الكبير (2)

مصر ... السؤال الكبير (2)

مازلنا نحاول استكشاف قدرة القوي الاجتماعيه صاحبة المصلحه في التغيير، وهو السؤال الكبير الذي يواجه الامم لحظة ما تقرر العمل لتحرير إرادتها، حتي إن كان هدفها إزالت ترسبات زمن التردي بمن فيه وبخياراتهم.

بعد توقيع اتفاقية الكويز (المناطق الصناعيه المؤهله) بين مصر واسرائيل وأمريكا، تحددت مجموعة من مصانع الملابس لتشملهم الاتفاقيه، ومنحهم إمكانية التصدير الي امريكا خارج الحصص وبإعفاء جمركي بشرط أن تحتوي المنتجات علي نسبة 11.7 % منتج اسرائيلي، وإذا بعمال في المحله الكبري وبورسعيد والاسماعيليه والعاشر من رمضان يخرجون في مظاهرات تطالب بضم مصانعهم الي المصانع المؤهله التي تشملها اتفاقية الكويز.

عمال في مدن صناعيه ومدن ذات تاريخ في المواجهة مع اسرائيل وطالتها القنابل الاسرائيليه وقتلت الآلاف من ابناءها، يتظاهرون ليس ضد التعاون مع العدو، ولكن لضمهم لقائمة المصانع التي تتعاون مع العدو؟؟؟

مشهد يستدعي التأمل قبل الاستطراد في قراءة وضع القوي التي من أجلها تتم الدعوه من أجل التغيير، وهي ذاتها القوي المنوط بها القيام به.

ويدلل علي طبيعة اللقاء بين الرأسماليين الجدد وبين العدو، وما أشاعوه بين العمال بأنه لا عمل لكم إن لم تنضم مصانعكم الي المصانع التي فتحت لها أسرائيل بوابة التصدير الي أمريكا، ووصل الامر بوزير التجاره والصناعه أن يأتي برجل التعاون مع اسرائيل علي رأس اتحاد الصناعات المصرى. ومن بين هؤلاء خرجت دعوة حرق القطن المصري طويل التيله، وتقليص مساحات الارض المزروعه قطن، وفتح أبواب استيراد الاقطان قصيرة التيله لخدمة البعض في صناعة صارت ترتبط بأهواء أصحاب المصانع الذين تحكمهم رغبات التنميه الماليه وليس الاقتصاد.

وصناعة الغزل والنسيج والملابس وهي الصناعه الاولي في مصر من حيث حجم العمال، تشهد عودة الايدي اليهوديه للسيطرة عليها بعد أن تركوها للهجرة الي اسرائيل، وتحمّل العديد من الوطنيين المصريين مسئولية النهوض بها، وهذه المره يسيطرون عبر المصريين المتعاونين معهم في الحكومه وأصحاب رؤوس الاموال.

تعرض العمال والفلاحين لموجات من الهجوم متتاليه، أستهدفت العمليات والمؤسسات الانتاجيه، كما استهدفت القوانين التي وضعت لصالحهم، وجرت مطاردة الفلاحين، بتفكيك الجمعيات التعاونيه الزراعيه، وبنوك الائتمان الزراعي التي تعاملت بقاعدة الدفع او الحبس ولم تعد ممولا للعمليات الانتاجيه للفلاح ولكنها صارت سيفا علي الرقاب، وتم إلغاء ما ترتب علي قوانين الاصلاح الزراعي من توزيع الأراض علي الفلاحين، وبأحكام قضائيه وتولي الامن المركزي تنفيذ الاحكام، وأصيبت السياسات الزراعيه والتركيب المحصولي بموجة من الاهمال المتعمد من قبل وزارة الزراعه، والتي حولها يوسف والي الي المطبع الاول مع اسرائيل، وأنتشرت المبيدات المسرطنه والبذور والتقاوي التي أطاحت باقتصاديات المحاصيل، وكأنهم جميعا يأخذون بثأرهم من الفلاحين.

والموقف ذاته انطبق علي حال العمال، ووقع العمال ضحايا المعاش المبكر المصاحب للخصخصه، وأخترقت النقابات العماليه وتم السيطره علي العمل النقابي، وصار هناك لون جديد من الاقطاع يقع تحت براثنه العمال والفلاحين وهو إقطاع السلطه ورؤوس الاموال.

وأمتدت يد التخريب الي التمثيل النيابي للعمال والفلاحين، وأصبح ممثلي الفلاحين من ضباط الشرطه والذين إكتسبوا صفة الفلاح بشهادة الحيازه الزراعيه، ومثّل المليونيرات العمال في المجلس لأنهم تنازلوا عن سجلاتهم التجاريه، وصارت نسبة الخمسين في المائه عمال وفلاحين ممرا لتسرب غيرهم الي المجالس، وتوجيهها في غير مصالحهم.وإستسهل البعض الحل بالمطالبه بالغاء نسبة العمال والفلاحين بديلا عن إعادة تقنين التعريف لمن هو العامل ومن هو الفلاح.

وأصبح العمال والفلاحون مواطنين من درجة أدني داخل المجتمع، بعد أن كانوا هم أصحاب الحق، والذين قامت ثورة يوليو 1952 لنصرتهم ورفع الغبن عنهم.

ولم يعد الفلاحون والعمال في حاجة الي حملات التوعيه او التحريض، فقد طرق وحش الغلاء أبواب المنازل، وصارت الاسعار تحول بين الاسر واستكمال متطلبات الغذاء والصحه والتعليم، وحفلت الشوارع بصور الاحتجاج الذي أغمضت الحكومه العين عنها علّ المحتجين يملون ويعودوا من حيث أتوا. وتشير تقارير منشوره إلي أن نسبة 35 الي 40% من الشعب المصري تحت خط الفقر.

العمال والفلاحون يمثلان قوتان أساسيتان للتغيير ،ولديهم مبرراتهم ، ولكن مازالت الحاجه الي التنظيم والقياده التي تحول الكتله البشريه الي قوة فعل.

ويمثل المهنيون عصبا رئيسيا للطبقة الوسطي، وهي الكتله الجامعه والوازنه للمجتمع، وهم قاطرة الطبقة الوسطي بما توفر لهم من معرفة وعلم وإطلاع ورغبة في النمو فضلا عن أن الاجيال المهنيين الاكبر سنا هم عناصر مرحلة المواجهة مع العدو ورجال حرب التحرير كما أنهم رجال مرحلة التحدي والبناء للاقتصاد الوطني والسد العالي ومخططات إستصلاح الاراضي.

وأصبح الوضع الأمثل للمهنيين الآن في الأغلب والأعم، هو العمل في الخارج دون تمييز بسبب السن او المهنه وحتي طبيعه العمل الملحق به، بحثا عن تراكم مالي ممكن تحقيقه هناك وبضريبة الاستغناء عن بعض من الضرورات، وقد يدفع الثمن تكلسا في الوعي بمجتمعه والظروف التي تمر به أوإنحرافا في الاراده، وتصبح مصر له مكانا لسكن يبنيه أو قبر يحجزه، وبين الاثنين يسعي لشراء التعليم والصحه وحتي السكن لابناءه، لم يتحرر من الفاقهٍ بل استعبدته محاولة الاستجابه لمطالب الحياه وفق أنماط استهلاكيه جديده، حيث صار رجالات المجتمع يتميزون ببريق ثروات مجهولة المصدر ، ولم يعد هناك ضرورة لارتباط الثروات بمصادر معروفه او مبرره، المهم أنها متوفره وتعمل أثرها.

ونظره علي البنايات الخرسانيه فوق الارض الزراعيه أو تلك علي السواحل المصريه تكشف نمطا استهلاكيا خارجا عن أي قواعد حاكمه وغير معبر عن حقيقة التكوين الاجتماعي في مصر أو الحاله الاقتصاديه للشعب، ولكنها تؤكد أن هناك إقتصادا آخر غير منظور ينتج هذه السلوكيات وأنماط الملكيه.

وإنجرفت التجاره تبدد جهد الصانع المصري في الوحدات الانتاجيه الصغيره بالاستيراد من المنتج الاسيوي، وانتقلت الي مرحلة أن تدير التجارات المحليه مصانع صينيه لحسابها. وكادت الغرفه التجاريه المصريه قبل العام 2000 أن تفقد إمكانية إستمرار المحلات الصغيره حتي في القري بسبب مخطط جاءت به سلسلة محلات سنسبري، وكادت تقضي علي تجارة التجزأه للبقاله، لولا انتفاضة الاقصي واستشهاد محمد الدره ومهاجمة الطلاب للسلسله الشهيره مما دفعها الي لملمة موجوداتها والرحيل من مصر.

وبعد أن أهدر التحالف الحاكم طاقة العمل لدي المهنيين وأصابهم بما أصاب به العمال، من معاش مبكر او خريجين عاطلين عن العمل، ووقعوا فريسة الغلاء الاقتصادي والفحش في الاسعار وعدم القدره علي الوفاء بالاحتياجات الاساسيه، أطبق علي النقابات المهنيه بالحراسة القضائيه، وجعل القانون 100 النقابات تحت الاشراف القضائي قبل الانتخابات وأثناءها وإن لم يتوافر النصاب القانوني، تؤول ادارة النقابه للجنة قضائيه لحين إعادة العمليه الانتخابيه.

وبقدر ما عجزت الغرفة التجاريه في مواجهة سنسبري، عجزت النقابات المهنيه عن أداء دورها تجاه أبناء المهنه الواحده وغاب دور المهنيين والنقابات المهنيه تجاه قضايا المجتمع.

أعتبر الطلاب عبر مراحل الحركه الوطنيه في مصر "قوة التعبير" والزخم البشري القادر علي الحركه والصدام، وأجري النظام أكبر عملية حصار للطلاب وبأساليب متعدده، من تغيير للائحة الاتحادات الطلابيه، وتغيير للنظام التعليمي في كل كليات الجامعه ليصبح ثمانية أشهر تتضمن دورتين للامتحانات، وأطلقت يد الامن داخل الجامعه، وكان فيما سبق ممنوع من دخول حرم الجامعه، وأحيلت الجامعات المصريه الي معتقلات كبيره، بواباتها مفتوحه والعقول فيها محاصرة والارادة مسلوبه، وتحولت أسوار الجامعه والمحيط بها ثكنات عسكريه لقوات الأمن، وتحول قطاع كبير من أساتذة الجامعه الي أداء يأباه أستاذ الجامعه ولا تقبل به الجامعه منارة حرية التفكير والابداع ومصنع المستقبل، وحال كل ذلك بين الطلاب وقضايا المجتمع.

وأضيف الي ذلك، رواسب صراعات داخل الطلاب بين إتجاهات تتحرك تحت عباءة الدين وبين عناصر أخري من الطلاب، أحدثت شرخا في المجتمع الطلابي.

ولم يترك التحالف الحاكم التعليم كمصدر رئيسي للتنميه البشريه، بل حوله الي تجارة، وانهار ترتيب الجامعات المصريه الي أدني من الخمسمائة جامعة الاولي في العالم، وأنفصمت العلاقه بين التعليم والعمل، وشهدت مقاهي مصر كتل العاطلين عن العمل من الخريجين عبئا مضافا علي المجتمع.

تردي العمليه التعليميه وتحولها الي تجاره وضياع الامل في إيجاد عمل بعد التخرج، أضفي علي قطاع الطلاب مسحة من الكآبه والقنوط وأحاط الشباب بغلالة سوداء.

ورغم ذلك فإن إمكانات المجتمع الافتراضي "الانترنت"، أتاحت فرصة واسعة لتجمعات شبابيه، ولحوار حول القضايا السياسيه بالاساس والمشاكل الاقتصاديه والمواجهات مع الامن، وعوضت نقصا كبيرا في المجتمع.

وعلي سبيل المثال لا الحصر نجحت هذه التجمعات في التضامن مع موقف عمال المحله الكبري عام 2008 وتولي النشطاء من شباب الانترنت الدور الاعلامي عنها، وتبني قضاياها، وأعادت الي الاذهان مقولة "كفاح الطلبه مع العمال".

كما أنها نجحت في رصد وقائع الاعتداءات الامنيه علي المواطنين، وكان آخرها ما تم في مواجهة الاعتداء علي الشاب "خالد سعيد" ووفاته، وتحرك الشباب علي مستوي محافظات مصر، ظاهرة تؤكد أن هناك حيويه لدي شباب مصر تجاوزت جمود الاحزاب واستسلامها، والحصار الامني علي حركة الشباب، وأستعاضت بأساليب إبداعيه في الاتصال والحركه والاعلام مما عوض غياب القدرات الماليه.

هكذا رغم أن التحالف الحاكم وجه ضربات متتاليه الي القوي الاجتماعيه فيما تحقق لها من مكاسب وفي تنظيماتها الجامعه لها وفي خطط النمو المستقبليه وفرض حالة الغلاء غير عابئ بما تجره علي المجتمع من مخاطر، إلا أن هذه القوي وجدت نفسها مطالبة بالتصدي لعملية الإفقار والغلاء والتردي، وهو ما يؤكد ضرورة وجودها في خندق التغيير كشرط واجب للحياه.

يبدوا الجميع محتشدا خلف مطلب التغيير، ويبقي لإستكمال الاجابة علي السؤال الكبير، أن نقرر كيف التنظيم ومن أين القياده؟ وهو الحديث الثالث.

مصطفي الغزاوي

نشرت بالشرق القطريه في 28 سبتمبر 2010